د. نبيل خليفه

إسرائيل: حدودنا في الشمال على مجرى نهر الليطاني

4 دقائق للقراءة

شرعت إسرائيل، كعادتها، في استغلال حالة الحرب في لبنان والمنطقة، في الإعلان تارةً بوضوح وطورًا بالتلميح، أن حدود دولة إسرائيل الشمالية مع لبنان لا تقوم على خط الترسيم الذي وضعته لجنة بوليه- نيو كومب عام 1923، وأقرّته عصبة الأمم عام 1934، بل على خط رسمته الطبيعة في جنوب لبنان وهو خط مجرى نهر الليطاني. ومع أن هذا الادّعاء الإسرائيلي ليس جديدًا، بل هو يعود إلى بداية الحركة الصهيونية (راجع الصورة) وقبل قيام دولة إسرائيل، فإن طرحه الآن، وبالشكل الذي تقوم به إسرائيل يطرح علامات استفهام كبرى حول نوايا إسرائيل التوسّعية إزاء لبنان. وهذه النوايا تتمثل في عدّة ممارسات ومبادرات وتصرّفات تقوم بها السلطات الإسرائيلية سعيًا وراء تأكيد موقفها ونظرتها التاريخيّة إلى حدودها مع لبنان. ويأتي هذا الإصرار كنتيجة للحرب التي تشنّها إسرائيل على لبنان على أن تكون الحدود الجديدة ثمرة هذه الحرب.

فما هي الاعتبارات الجيو - سياسية التي تقدّمها إسرائيل لتبرير طرحها الجديد حول حدودها الشمالية مع لبنان؟

1- أوّل الاعتبارات هو تصريحات مختلفة لمسؤولين إسرائيليين كبار بينهم وزير الدفاع ووزير المالية أعلنوا فيها صراحة أن حدود إسرائيل في الشمال هي على نهر الليطاني!

2- ثاني الاعتبارات هو المبادرة إلى نسف الجسور فوق الليطاني والتي تربط شمال الليطاني بجنوبه. إن قطع الصلة بين ضفتي النهر له معنى سياسي خطر وهو قطع العلاقة بين الجسم الجغرافي السياسي القانوني للجمهورية اللبنانية في قسمها الجنوبي تمهيدًا لإلحاق جنوب النهر بدولة إسرائيل. والمعنى الخطير في الأمر أن إسرائيل لم تعمد إلى نسف الجسور الواقعة على النهر فقط بل عمدت إلى نسف كافة الجسور التي تربط بين شمال النهر وجنوبه. وفي هذا علامة على قطع العلاقة بين الجانبين تمهيدًا لهدف معروف وإن كان يُظن لدى الفاعلين أنه مخفيّ.

3- الاعتبار الثالث قيام السلطات الإسرائيلية بتهجير سكان جنوب الليطاني نحو الشمال مستخدمين في جنوب لبنان الأسلوب ذاته الذي استخدموه في قطاع غزة. ذلك أنه من السهل احتواء واحتلال الأرض الخالية من السكان إذ تكون المقاومة فيها أقلّ والسيطرة عليها أسهل. والادّعاء بملكيّتها أكثر "مشروعية" لدى الاحتلال! على أن تبقى مدينة صور اللبنانية التاريخية العقدة الكبرى في هذا المجال!

4- الاعتبار الرابع وضع جغرافيا جنوب نهر الليطاني تحت عناوين وشعارات لا تمثل الحقيقة من مثل التشديد على خلق منطقة عازلة على حدود إسرائيل وداخل الحدود اللبنانية. فما تفعله إسرائيل بجغرافيا جنوب الليطاني لا يعدّ أو يُحسب في خانة العزل بل الصحيح في خانة الوصل إذ هو وصل إسرائيل الدولة بشريان الماء اللبناني وهو الهدف الذي لطالما سعت إليه إسرائيل من زمن نشوء الصهيونية وسعيها وراء أرض إسرائيل (Eretz Israël) الدولة.

5- الاعتبار الخامس استغلال اقتراح الرئيس اللبناني بإجراء مفاوضات بين لبنان وإسرائيل وما أثاره من تساؤل حول موقف إسرائيل التي لم تبادر فورًا إلى التقاط المبادرة والصحيح أن إسرائيل كانت تنتظر وتعمل كي يكون مصير جنوب الليطاني جزءًا من التفاوض بل الأساس في الحلّ بحسب رأيها وحساباتها!

6- الاعتبار السادس استغلال مسؤولين إسرائيليين هذه المناسبة كي ينتقدوا الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي حول الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل أي المنطقة الاقتصادية الحصرية لكلّ من البلدين وحدودها في المتوسط. والغريب أن بعض المسؤولين اللبنانيين تعجّبوا من ذلك إذ إن لبنان كان مغبونًا في هذه الاتفاقية. ولكن إسرائيل تجري الآن حسابًا جديدًا إذا ما زادت حصّتها على ساحل المتوسط مع جنوب الليطاني وهي بحدود 20 كيلومترًا، ما هو المعادل لها في قلب البحر المتوسط من خلال المنطقة الاقتصادية الحصرية في النفط والغاز؟ هذا ما تفكر فيه إسرائيل؟!

باختصار في كتاب (Atlas géopolitique d’Israël) للمؤلّف (Frederic Encel) والصادر في باريس عام 2008 يرسم حدود إسرائيل بوجهيها: الصهيونية والدولاتية. ويشير إلى علاقتها بالجوار الجغرافي، ومنه جنوب لبنان: حوض الليطاني. وتشير الدلائل إلى أن هذه المنطقة كانت تعتبرها إسرائيل جزءًا من مفهومها الديني (الصهيونية السياسية دولة إسرائيل) والمفهوم الأول يتناول 3 أرض كنعان، ثم من دجلة إلى الفرات، ثم جبل موسى. والثاني يتناول 2 أرض أسباط إسرائيل الإثني عشر، ومملكة داوود وسليمان!!

منذ قيام دولة إسرائيل في الأربعينات من القرن الماضي وهي تحاول أن تطبّق رؤيتها الإيمانية على رؤيتها السياسية، إنقاذًا لها من مخاطر مساحة دولتها الضيِّقة.

وفي هذا قوّتها وضعفها في آن!