كشفت مصادر لـ "رويترز" أن "إيران أبلغت الوسطاء بضرورة إدراج لبنان ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل، رابطةً إنهاء الحرب بوقف الهجوم الإسرائيلي على حزب الله". كما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤولين في طهران أن "أي اتفاق مع واشنطن يجب أن يشمل إنهاء الحرب على إيران وعلى ما تصفه بـ "قوى المقاومة" في المنطقة، وفي مقدمها "الحزب" في لبنان". كذلك، أفادت تقارير غربية وإيرانية بأن "حزب الله تلقى ضمانات إيرانية بإدراجه ضمن أي اتفاق واسع، مع تأكيد طهران رفضها تكرار سيناريو عام 2024، حين استمرت الضربات الإسرائيلية في لبنان رغم وقف إطلاق النار".
ماذا يعني هذا الكلام؟
أولًا، يكشف هذا الموقف بوضوح أن إيران، خلافًا لما تطرحه الولايات المتحدة من مقاربة تقوم على "صفر نووي، صفر باليستي، وصفر وكلاء"، ترفض التخلي عن مشروعها الإقليمي. فربطها وقف إطلاق النار مع نفسها بوقفه مع "حزب الله" يشكّل إعلانًا صريحًا بأن وكلاءها جزء لا يتجزأ من بنيتها الاستراتيجية. هذا ليس مجرد تحالف، بل مكوّن عضوي في هوية النظام الإيراني ووظيفته ودوره. وبالتالي، هي توجّه رسالة مباشرة إلى واشنطن: لا تفاوض على تفكيك هذا المشروع، ولا إمكانية لفصل إيران عن أذرعها.
ثانيًا، يدل هذا الربط على أن إيران ترى في وكلائها شرطًا لبقائها كقوة إقليمية، ومن دونهم يفقد النظام علّة وجوده، واستمراره من دونهم يعني عمليًا فقدانه لنفوذه ودوره. لذلك، يتمسّك بهم بقدر تمسّكه بنظامه نفسه، باعتبار أن الاثنين يشكّلان منظومة واحدة متكاملة. ومن الخطأ التعامل مع "حزب الله" على أنه حليف للنظام الإيراني، لأنه ركيزة أساسية في المشروع الإيراني، وأداة لا يمكن التفريط بها.
ثالثًا، يعكس هذا الموقف مستوى القلق الإيراني على وضع "حزب الله". فإصرار طهران على إدراجه ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يشير إلى خشيتها من مسار ميداني قد يؤدي إلى إنهائه. وهي، بذلك، تحاول استباق أي سيناريو مشابه لما حصل بعد تفاهمات سابقة، حيث استمرت إسرائيل في استهداف "الحزب" رغم وقف النار. وهذا يعني أن إيران تدرك أن "الحزب" يمر في مرحلة عسكرية دقيقة وخطيرة، ما يدفعها إلى محاولة حمايته سياسيًا عبر ربط مصيره بمصيرها التفاوضي.
ما تقدّم يقود إلى ثلاث خلاصات أساسية:
الأولى، أن طهران لن تتنازل عن مشروعها الإقليمي، ما يعني أن أي رهان على تغيير سلوكها من داخل النظام نفسه يبدو وهمًا. فتمسّكها بالوكلاء هو تمسّك بدورها ووظيفتها، وأي تراجع في هذا المجال يعني تراجعًا في جوهر النظام. وعلى الرغم من كل ما أصابها، ما زالت تلعب "صولد": إما كل شيء أو لا شيء، وتربط بقاء نظامها ببقاء الوكلاء.
الثانية، إن استمرار النظام الإيراني يعني أن دول الخليج ستبقى فاقدة للاستقرار. فلا استقرار في ظل هذا النظام الذي سيبقى سيفًا مصلتًا على أمن الخليج، ولا تفاهمات يمكن أن تعطي ضمانات. فلا "اتفاق بكين"، ولا التفاهمات الثنائية احترمتها طهران، والعودة إلى ما قبل 28 شباط أصبحت مستحيلة، فما انكسر لا يمكن ترميمه.
الثالثة، إن من يتمسّك بالوكلاء يتمسّك بالقدر نفسه بالنووي والباليستي. وبقاء النظام، حتى ولو تم تدمير قدراته، يعني أنه سيتحيّن الفرصة لإعادة بناء دوره وشبكاته وصواريخه. ولا حل مع هذا النظام إلا بإسقاطه، وقد لا يتكرر الضعف الذي يشهده اليوم كنظام ووكلاء، وأكبر خطأ هو وقف الحرب من دون القضاء على هذا الفكر التخريبي.
وعلى الرغم من الصورة التي تعطيها واشنطن بأنها تمنح النظام الإيراني حبل نجاة، إلا أن العزم ما زال نفسه لإسقاط النظام، تحقيقًا لثلاثة أهداف متلازمة: انتصار شخصي للرئيس الأميركي الذي لا يريد أن يُسجَّل عليه أنه خسر المواجهة مع الجمهورية الإسلامية؛ حماية الدول الخليجية كحليف استراتيجي للولايات المتحدة، التي باتت ترى استحالة بناء مستقبل في المنطقة في ظل هذا النظام؛ وتلبية هدف إسرائيل، الحليف الأول لواشنطن، التي دفعت باتجاه الحرب وتسعى إلى إنهاء النظام من أساساته.
لكن، في المقابل، ولو تم التسليم بأن التفاوض بين واشنطن وطهران قد قطع شوطًا مهمً، فإنه بات مؤكدًا أن إيران لن توقع على أي اتفاق لا يشمل وقف إطلاق النار مع "حزب الله". في حين تفصل إسرائيل تمامًا بين المواجهة مع إيران والمواجهة مع وكلائها، وقد تعاملت مع "حرب الطوفان" على قاعدتين: التخلص من الأدوات داخل كيانها وضمن دول الطوق، والتخلص من النظام الإيراني. وإذا كان العامل الثاني يحتاج إلى الولايات المتحدة، فإن المهمة الأولى لا تحتاج إليها، وقد منحت واشنطن تل أبيب الضوء الأخضر لإنهاء "حزب الله". وإسرائيل لن توقف حربها قبل القضاء عليه، وقد بدأت بالفعل بمحاصرته داخل لبنان.
وفي الخلاصة، إن أي رهان على أن وقائع الحرب ستجعل إيران تبدّل في مشروعها هو رهان واهم وساقط. ولا خيار أمام واشنطن سوى مواصلة الضغط حتى إسقاط هذا النظام، وقد قُطع شوط كبير في هذا المسار. وتكمن أهمية ربط طهران وقف الحرب بوقفها على وكيلها في لبنان في أنه لا يدل فقط على تمسّكها بدورها التوسعي والتخريبي، بل يشكّل أيضًا دليلًا حسيًا على واقع "حزب الله"، الذي دخل في فصل نهايته العسكرية. وهذا ما يدفعها إلى محاولة انتزاع تنازلات والقبول بتسويات من أجل أن تحفظ ما تبقى منه قبل الوصول إلى نهايته الكاملة.