رمال جوني

رميش تقول لا: باقون في الأرض رغم النار

5 دقائق للقراءة

لم تكن تعلم آلاء بحمد أن عودتها إلى بلدتها جبشيت يوم الاثنين، بعدما عجزت عن إيجاد مأوى لها ولعائلتها في أماكن النزوح الآمنة، ستكون الأخيرة.

آلاء، الأم لطفلين، أكبرهما في الرابعة من عمره وأصغرهما في الثالثة، استهدفتهم غارة من المقاتلات الإسرائيلية في منزلها في جبشيت. قُتلت هي وزوجها، فيما جُرح ولداها.

يكثّف الجيش الإسرائيلي منذ عدة أيام استهدافاته للمدنيين في منطقة النبطية، في سعيٍ منه لدفع الصامدين نحو النزوح. ووفق مخططه، يسعى إلى تحويل منطقة شمال الليطاني وجنوب نهر الزهراني منطقة عازلة، خالية من السلاح والسكان، كما يهدف أيضًا، بحسب تصريحات مسؤوليه، إلى السيطرة على التلال التي كان يحتلها قبل عام 2000، أي تلال الدبشة والطهرة وعلي الطاهر.

ويبرز هذا المخطط من خلال عدة عناصر، أولًا عبر القصف المدفعي المركّز الذي بدأ يطال بلدات كفررمان، النبطية الفوقا، شوكين، ميفدون، زبدين وحاروف، وهي بلدات تقع في النسق الثاني من القرى القريبة من النبطية.

في التقسيم الجغرافي لمنطقة النبطية، فإن قرى مجرى الليطاني، أي يحمر، أرنون، زوطر الشرقية وزوطر الغربية، تقع في النسق الأول، وقد باتت خط مواجهة أول. وتشهد هذه البلدات منذ ساعات الصباح الأولى غارات حربية مكثفة وقصفًا مدفعيًا مركزًا. وتكمن أهمية هذه البلدات الجغرافية في أنها تقع في مواجهة مباشرة لبلدات الطيبة، رب ثلاثين، ودير سريان، حيث تدور هناك مواجهات محتدمة بين عناصر من "حزب الله" والجيش الإسرائيلي.

يسعى الإسرائيلي اليوم للوصول إلى نهر الليطاني وقراه لإحكام قبضته على منطقة جنوب وشمال النهر. وتقول مصادر أمنية متابعة إنه يخطط للسيطرة على نهر الليطاني، وعينه على قريتي الزوطرين، إذ إن وصوله إلى هاتين البلدتين يمكّنه من إحكام السيطرة على وادي الحجير. ووفق المصدر، فإن الإسرائيلي يحاول قطع إمدادات الاستهدافات التي تطاله من هذه القرى.

ويؤكد المصدر أن مخططه من الصعب تحقيقه لعدة عوامل، أبرزها وجود مقاومة شرسة، واستهدافه بالصواريخ الموجّهة، وعجزه عن تخطي مربع القنيطرة – الطيبة – العديسة – دير سريان. وما يقوم به حاليًا هو محاولات تسلل إلى هذه القرى، وتفخيخ المنازل ثم الانسحاب، من دون أن يتمكن من التمركز في أي نقطة حتى الساعة.

ويرى المصدر الأمني أن تكثيف استهدافاته لقرى مجرى النهر هو محاولة للتقدم بالنار أو لتحويل القرى إلى أرض محروقة.

إلى جانب زوطر الشرقية والغربية، يحاول التقدم من ناحية دير ميماس، المواجهة مباشرة لبلدتي أرنون ويحمر الشقيف، ويطمح للوصول مجددًا إلى قلعة الشقيف المشرفة على البحر حتى الزهراني، ومن هنا، تقول المصادر، يسعى إلى زيادة الغارات والقصف المدفعي عليها.

ارتفعت وتيرة الغارات مجددًا في منطقة النبطية، وطالت رقعة واسعة من البلدات. معظم الغارات كانت من مسيّرات استهدفت شوكين وأنصار، في حين تركزت الغارات الحربية على بلدتي الدوير وعبا.

في عبا، استُهدف منزل المواطن شادي معلم، الذي لم يغادر بلدته ليبقى بالقرب من مشتله. وتُعد عبا من أشهر القرى اللبنانية بمشاتل الحمضيات والأشجار المثمرة وأشجار الزينة، ويقصدها الناس من مختلف قرى وبلدات لبنان. وفي الحرب الماضية، مُني هذا القطاع بنكسة كبيرة، ولم يُعوَّض على أيّ من المزارعين.

رفض شادي مغادرة بلدته أو مشتله، وبقي يعتني به كي لا يخسر، فالرزق في ميزان ابن الجنوب يعادل الروح أيضًا. قضى شادي تحت ركام منزله لأنه فضّل الصمود على النزوح.

يشكّل الصمود جزءًا من تحدي أبناء القرى الجنوبية. ويقدّم أبناء بلدات رميش، دبل، وعين إبل نموذجًا واضحًا لهذا الأمر، إذ لا يزال ما يقارب خمسة آلاف نسمة في رميش وحدها داخل البلدة، يرفضون المغادرة. وقد ارتفع صوتهم اليوم رفضًا لانسحاب الجيش اللبناني من مراكزه في تلك القرى، معتبرين أن هذه الخطوة تشكّل طعنة في ظهر الصامدين، فهم يريدون الدولة وجيشها ليحموهم، وليبقوا في الأرض التي وُلدوا وعاشوا فيها، والتي وطأها السيد المسيح.

أجرى كاهن رعية رميش، الأب نجيب العميل، اتصالات موسّعة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الداخلية أحمد الحجار للتراجع عن هذه الخطوة، غير أنها باءت بالفشل. انسحب الجيش، ولم يغادر أبناء رميش ودبل وعين إبل، بل بقوا صامدين، يتحدّون كل الظروف الأمنية الصعبة. فهذه الأرض، كما يقول الخوري جورج العميل، "نداء الوطن"، ويرى أنها "جزء من هويتنا وكياننا، ولن نغادرها حتى الرمق الأخير".

"لن نخرج من بلدتنا"، هي العبارة التي يردّدها العميل ليؤكد أن "صمودنا هو حماية لقرانا".

يتكئ أبناء بلدة رميش على صمودهم وبقاء أبنائهم العسكريين، الذين يشكّلون ما يقارب ألفي شخص، وبقاؤهم، وفق العميل، "أداة صمود وطمأنينة"، لأنهم إذا غادروا فرغت البلدات من سكانها، وهؤلاء يفضّلون الأرض والمنزل على الوظيفة.

يتمنى العميل أن "تقف الحرب اليوم قبل الغد".

تحديات كبرى تواجه أبناء تلك القرى اليوم، فشبكة الاتصالات باتت ضعيفة وسيئة في أحيان كثيرة، ما يقلق الأهالي، إذ تشكّل صلة الوصل بينهم وبين الخارج. ويؤكد العميل نفسه أن الأهالي خزّنوا المواد الغذائية الكافية لحاجات صمودهم وبقائهم، ناهيك عن أن خيرات الأرض بدأت تثمر اليوم، والأهم، كما يقول: “نحن على يقين أن الله لن يتخلى عنا”.