شربل صيّاح

الولايات المتّحدة اللّبنانية

4 دقائق للقراءة

تشهد الساحة الجنوبية في لبنان اليوم تداخلاً معقّدًا بين معادلات داخلية مأزومة وضغوط إقليمية عنيفة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية التي تشنّها إسرائيل، وما يرافقها من منطق "التمشيط الشامل" الذي يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الاعتبارات الإنسانية والعقلانية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز دور ""حزب الله"" كفاعل أساسي في تحديد مسار الصراع، ما يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بتمثيل الجنوب، ولا سيما "القرى المسيحية الجنوبية"، ضمن معادلة لا تعكس بالضرورة خياراتها أو إرادتها السياسية.

لو افترضنا أن لبنان يعتمد نظامًا فدراليًا واسع الصلاحيات، أو حتى صيغة كونفدرالية مرنة، لكان من الممكن إعادة توزيع القرار السياسي والأمني بما يحدّ من ارتهان مكوّنات بعينها لخيارات قوى أخرى. فالفدرالية، في جوهرها، لا تقوم على التقسيم الجغرافي بقدر ما ترتكز على إدارة التعدد ضمن وحدة الدولة.

في هذا السياق، يمكن القول إن مسيحيي الجنوب لم يكونوا طرفًا في قرار الحرب، ولم يختاروا أن يكونوا جزءًا من صراع مفتوح مع إسرائيل. إلا أن غياب نظام لا مركزي فعّال جعلهم عملياً ضمن بيئة سياسية وأمنية تُفرض عليهم فرضاً، بحكم سيطرة قوة عسكرية تمتلك فائض نفوذ.

ضمن نظام فدرالي-كونفدرالي:

• تصبح لكل وحدة (أو ولاية) ( استطراداً ولاية رميش و عين إبل و دبل و علما الشّعب) قدرة أكبر على إدارة شؤونها الداخلية.

• يمكن ضبط الانخراط في الصراعات الخارجية ضمن أطر دستورية واضحة.

• تتعزّز الحماية عبر شبكة علاقات داخلية وخارجية منظّمة، لا عبر منطق الأمر الواقع.

وبالتالي، فإن الحماية هنا لا تُبنى على الانتماء الطائفي، بل على بنية نظامية تضمن عدم تحويل أي مكوّن إلى “رهينة” لخيارات لم يشارك في صنعها. هذا الطرح لا يلغي وحدة لبنان، بل يعيد تعريفها على قاعدة التوازن، لا الغلبة.

لا شك أن فكرة المقاومة، كمبدأ، تبقى مشروعة في مواجهة الاحتلال، وهي جزء من الوجدان السياسي لشعوب عديدة. غير أن الإشكالية تكمن في احتكار هذا المفهوم من قبل جهة واحدة، وتحوّله إلى أداة سياسية وعسكرية خارج إطار الإجماع الوطني.

هنا تبرز ضرورة الفصل بين:

• قضية المقاومة بوصفها حقًا مشروعًا و ما أبعد من ذلك أي رفض تامّ للرّضوخ تحت أي وصاية إسرائيلية كانت أم إيرانية.

• كينونة "حزب الله" التي كانت و لكن باتت، في نظر شريحة واسعة، منفصلة عن هذا المفهوم.

فالتاريخ القريب يشير إلى أن الصراع في الجنوب لم يكن حكراً على طرف واحد، بل شاركت فيه قوى وطنية متعددة، بعضها تعرّض للتهميش أو الإقصاء، بل وحتى التصفيات. وهذا ما يضع علامات استفهام حول شرعية احتكار التمثيل.

إضافة إلى ذلك، فإن ربط مصير الجنوب – بل ومصير لبنان ككل – باستراتيجية عسكرية لا تخضع لقرار الدولة، يعمّق الهوة بين مكوّنات المجتمع، ويضع البلاد في مواجهة مستمرة مع محيطها، دون توافق داخلي جامع.

إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الصراع مع إسرائيل، ولا في سلاح "حزب الله" بحد ذاته، بل في غياب إطار سياسي جامع قادر على استيعاب التعدد اللبناني ضمن معادلة عادلة.

الحل، كما يطرحه هذا التصور، لا يمر عبر الشعارات، بل عبر:

إعادة النظر في بنية النظام نحو لا مركزية موسّعة،

إرساء توازن فعلي بين المكوّنات،

فكّ الارتباط بين قرار الحرب وأي جهة غير الدولة.

إن إنقاذ الجنوب، بمسيحييه ومسلميه، لا يمكن أن يبقى رهينة ميزان قوى مختل، بل يجب أن يتحوّل إلى مشروع وطني تقوده نخبة سياسية تتحلّى بالجرأة لإعلان أن زمن النظام الحالي قد بلغ حدوده، وأن الانتقال إلى صيغة أكثر توازناً لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية.

وفي هذا الإطار، تبقى الفدرالية الموسّعة – أو ما يقاربها – طرحاً وحوديّاً، لا كمدخل للتقسيم، بل كآلية لصون وحدةٍ لم تعد تصمد إلا بإعادة تعريفها.