باريس
في ظلّ تصاعد غير مسبوق للتوترات، دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة الحرب المفتوحة، بعد سلسلة من التطوّرات الميدانية والتصريحات السياسيّة الحادّة التي كشفت عمق الانقسام داخل المعسكر الغربيّ نفسه.
فجر أمس، أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريحات مثيرة للجدل، أكّد فيها أن الولايات المتحدة "ليست بحاجة إلى مضيق هرمز"، داعيًا الدول الأخرى إلى تحمّل مسؤوليّاتها في تأمينه. ولم يكتفِ بذلك، بل وجّه انتقادات لاذعة إلى الحلفاء الأوروبيين، وعلى رأسهم فرنسا، متهمًا إيّاهم بالتردّد والاعتماد المفرط على القوّة الأميركية، كما لم يوفر حلف شمال الأطلسي من هجومه، معتبرًا أنه "يستنزف الولايات المتحدة من دون مقابل عادل".
في المقابل، يبدو الموقف الأوروبيّ أكثر تصلّبًا من المشاركة في حرب يعتبرها الرئيس الفرنسي وشركاؤه غير قانونية لأنها لا تستند إلى قرار من الأمم المتحدة. فمن طوكيو، وخلال مؤتمر صحافي، شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الأربعاء على رفض بلاده الحرب، محذرًا من تداعياتها الكارثية على الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، وداعيًا إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، داعيًا إلى تحالف أوروبي آسيوي قد تنضمّ إليه الصين التي ترى في ذلك مناسبة لكسر الأحادية القطبية الأميركي . موقف ماكرون لم يكن معزولًا، بل يعكس توجّهًا أوروبيًّا عامًّا يسعى إلى احتواء الأزمة بدلًا من توسيعها.
تباين في الأهداف
يطرح هذا التباين الحادّ بين ضفتي الأطلسي تساؤلات جوهرية حول أسبابه، والتي يمكن تلخيصها بعوامل رئيسية عدّة:
أوّلًا، اختلاف المصالح الاستراتيجية. فالولايات المتحدة، في ظلّ إدارة ترامب، تتبنى نهجًا أكثر صداميًّا يهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، بينما تخشى أوروبا من أن تؤدّي الحرب إلى موجات لجوء جديدة، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق.
ثانيًا، التحوّل في العقيدة الأميركية. تصريحات ترامب تعكس توجّهًا واضحًا نحو تقليص الالتزامات الخارجية، وإعادة تعريف دور الحلفاء، حيث لم تعد واشنطن ترى نفسها ملزمة بحماية المصالح المشتركة من دون مساهمة كبرى من شركائها.
ثالثًا، أزمة الثقة المتراكمة. فقد عمّق الهجوم المباشر من ترامب على ماكرون وقيادات أوروبية أخرى، إلى جانب انتقاداته المتكرّرة لحلف الناتو، الشكوك الأوروبية حول مصداقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجيّ يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى.
أمّا عن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، فيبدو أنه يتجه نحو مزيد من التعقيد. فمن جهة، لا يزال التحالف الأطلسي قائمًا بحكم المصالح الأمنية المشتركة، لكن من جهة أخرى، تتزايد الدعوات داخل أوروبا لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على واشنطن.
قلق استراتيجيّ وحذر سياسيّ
بالمقابل، تؤثر الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، بشكل مباشر على دول الخليج التي تقع في قلب الأزمة.
أمنيًا، تواجه هذه الدول مخاطر متزايدة مع احتمال استهداف منشآت حيوية أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ما يرفع منسوب التوتر والاستنفار. اقتصاديًا، قد تستفيد هذه الدول مرحليًا من ارتفاع أسعار النفط، لكنها تبقى مهدّدة بخسائر كبيرة إذا تعطّلت الصادرات أو تصاعدت العمليات العسكرية.
سياسيًا، تحاول دول الخليج إقامة توازن بين تحالفها مع واشنطن وتجنّب الانخراط المباشر في الحرب، لما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة. كما أن غياب موقف غربيّ موحّد، في ظلّ تباين مع مواقف أوروبية ورفضها المشاركة في العمل العسكري أو الهجومي لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، يزيد تعقيد المشهد.
باختصار، تقف دول الخليج أمام معادلة دقيقة: الاستفادة المحدودة من الأزمة مقابل مخاطر أمنية واقتصادية كبيرة قد تتفاقم مع استمرار الحرب.
في المحصّلة، تكشف هذه الأزمة أن العلاقة عبر الأطلسي لم تعد كما كانت، وأنها تمرّ بمرحلة إعادة تعريف قد تؤدّي إمّا إلى شراكة أكثر توازنًا، وإمّا إلى تباعد تدريجيّ يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية في السنوات المقبلة.