أنطونيو رزق

الصراع الأوكراني - الروسي يقتحم الشرق الأوسط

4 دقائق للقراءة

فتحت الحرب ضدّ النظام الإيراني جبهة جديدة في الصراع اللامتناهي بين الرئيسين الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين، إذ بات الزعيمان مشاركين في الحرب بشكل غير مباشر، حيث تساعد موسكو حليفتها طهران عبر تزويدها بمعلومات استخباراتية متعلّقة بمكان وجود الأصول الأميركية في المنطقة، في وقت تعقد فيه كييف اتفاقات للتعاون الدفاعي مع دول الخليج، التي لا تزال تتعرّض لهجمات إيرانية إرهابية. إنطلاقًا من ذلك، يتساءل متابعو الحرب الأوكرانية - الروسية عن طبيعة تأثير الحرب في الشرق الأوسط على تلك المندلعة في شرق أوروبا منذ أكثر من أربع سنوات، فضلًا عمّن سيكون المستفيد الأكبر بين زيلينسكي وبوتين عندما تسدل الحرب ضدّ إيران ستارها.

ترى كييف أن الحرب في المنطقة وفرت لها فرصة تاريخية لاستعراض خبراتها العسكرية النادرة وتعزيز الصناعات الدفاعية لديها وتكثيف صادراتها العسكرية، إذ فتحت لها المجال لعقد اتفاقات عسكرية مع دول في الشرق الأوسط وتعميق علاقاتها معها. بالفعل، وقعت أوكرانيا اتفاقات تعاون دفاعي مع كلّ من السعودية والإمارات وقطر تمنحها بموجبها منظومتها الكاملة للدفاع الجوي ضدّ المسيّرات الإيرانية، وفق زيلينسكي، الذي أكد أن المسيّرات البحرية الأوكرانية، التي من شأنها المساعدة في تأمين مضيق هرمز، تشكل جزءًا من الاتفاقات، مشيرًا إلى إمكانية عقد صفقات مماثلة مع دول أخرى منها الكويت والبحرين والأردن والعراق وتركيا.

تشكّل الاتفاقات ربحًا صافيًا لأوكرانيا من الحرب في المنطقة من شأنه أن يعزز وضعيتها في صراعها مع روسيا، ليس فقط لأنها استقطبت استثمارات خليجية في صناعاتها الدفاعية، بل لأنها فتحت المجال أمام مزيد من التعاون الدفاعي مع دول الخليج، فقد أكد زيلينسكي أنه تحدّث معها حول إمكانية استحصال بلاده منها على صواريخ نظام "باتريوت" لاعتراض الصواريخ الباليستية، التي تعاني أوكرانيا من شحّ مزمن فيها، ما يعرّضها لخسائر كبيرة من جرّاء الهجمات الصاروخية الروسية اليومية.

رغم الفوائد التي حققتها كييف من الحرب حتى الآن، ليس من مصلحتها أن يطول النزاع في الشرق الأوسط، فقد أدّت الحرب إلى توجيه الكثير من الذخائر الاعتراضية الغربية التي تعوّل عليها كييف إلى المنطقة، لذا استمرارها سيفاقم الأزمة التي تعاني منها أوكرانيا في هذا المجال. أما في حال لم تطل الحرب، فيمكن عندئذ أن تستفيد كييف من شراكاتها الجديدة لتعزيز مخزونها من تلك الذخائر.

بالإضافة إلى ذلك، عمّقت الحرب الخلافات بين إدارة الرئيس ترامب ودول حلف "الناتو" التي رفضت الانخراط في الصراع رغم طلب ترامب منها المساعدة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس سلبيًا على كييف وإيجابيًا على موسكو، إذ هدّد ترامب، وفق تقارير صحافية، بوقف إمدادها بالأسلحة عبر الآلية التي تشتري دول "الناتو" من خلالها السلاح من أميركا وتعطيه لأوكرانيا، حتى أنه لوّح بسحب بلاده من الحلف.

توازيًا، سيضاعف استمرار عرقلة الملاحة في مضيق هرمز الضغوط من حلفاء أوكرانيا لوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية من قِبل كييف، الأمر الذي أكد زيلينسكي أنه طُلب منه. كما أن المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة من جرّاء إغلاق المضيق جعل أميركا تعلّق العقوبات على الطاقة الروسية، ما منح موسكو، إلى جانب الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط والغاز منذ بدء الحرب، تمويلًا لمجهودها الحربي كانت بأمسّ الحاجة إليه، لذلك طول الحرب يفيدها ويضرّ بأوكرانيا.

لا شك أن روسيا حقّقت مكاسب آنية من الحرب في المنطقة، وقد يتحقق المزيد منها في حال طال النزاع، لكن على الصعيد الاستراتيجي، يشكّل إضعاف النظام الإيراني ضربة جديدة لحلفاء موسكو على الساحة الدولية، بعد خسارتها بشار الأسد في سوريا ونيكولاس مادورو في فنزويلا، بينما يتوعّد ترامب بأن النظام الكوبي سيأتي دوره بعد الملالي. كما أن التعاون الروسي - الإيراني في الحرب قد يؤثر سلبًا على العلاقة الجيّدة التي تتمتع بها موسكو مع العواصم الخليجية. بالإضافة إلى ذلك، هشّمت الحرب ضدّ إيران وعملية اعتقال مادورو سمعة الأسلحة الروسية، خصوصًا الدفاعات الجوية، التي تبيّن أنها غير فعّالة إطلاقًا أمام المقاتلات والقاذفات الأميركية.

في نهاية المطاف، ستحدّد مدّة الحرب في المنطقة وكيفية إنتهائها مَن المستفيد ومَن المتضرّر بين زيلينسكي وبوتين، فيما من المرجّح أن تستمرّ الحرب الأوكرانية - الروسية لفترة طويلة بعد نهاية المعارك في الشرق الأوسط، إذ إن ترامب، على عكس بوتين، لن يسمح بأن تتحوّل عمليته العسكرية الخاصة إلى حرب استنزاف تمتدّ لسنوات وتدمّر اقتصاد بلاده وتقتل شبابها من دون تحقيق أي من أهدافها.