لم يقدّم خطاب الرئيس ترامب فجر أمس أي جديد في ما يتعلّق بكيفية إنهاء الحرب ضدّ إيران، بل أنذر بمزيد من التصعيد خلال الأسابيع المقبلة، متوعّدًا بإعادة إيران إلى "العصر الحجري" في حال لم يجر التوصل إلى اتفاق يحقق الشروط الأميركية، ما أدّى إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط في ظلّ مواصلة إيران عرقلتها للملاحة في مضيق هرمز، الذي أكد ترامب أن مهمّة تأمينه يجب أن تقودها الدول المتضرّرة من إغلاقه بمساعدة واشنطن، ما أقلق دولًا عدّة من إمكانية إنهاء الحرب وترك المضيق خاضعًا لبلطجة الملالي، لكن ترامب تعهّد خلال خطابه بأن بلاده لن تترك حلفاءها في المنطقة "يفشلون أو يُلحق بهم الأذى".
وبعد ساعات من خطاب ترامب، تعرّض جسر رئيسي يربط طهران بمدينة كرج، لضربات على مرحلتين، ثمّ نشر ترامب فيديو استهداف الجسر، لافتًا إلى أن "أكبر جسر في إيران ينهار ويسقط، ولن يُستخدم مجدّدًا أبدًا، والمزيد سيأتي". وحسم أنه "حان الوقت لإيران كي تبرم اتفاقًا قبل فوات الأوان، وقبل ألّا يبقى شيء مِمّا كان لا يزال يمكن أن يصبح دولة عظيمة"، فيما أوردت وكالة "فارس" الإيرانية أسماء جسور عدّة في السعودية والإمارات والكويت والأردن كأهداف محتملة لهجمات إيرانية. وأكدت طهران أن "استهداف المنشآت المدنية، بما في ذلك الجسور غير المكتملة، لن يُجبر الإيرانيين على الاستسلام".
وهدّد "مقر خاتم الأنبياء" الإيراني بهجمات "أشدّ سحقًا وأكثر اتساعًا وتدميرًا"، ردًا على خطاب ترامب، متوعّدًا بأن الحرب ستستمرّ حتى تواجه أميركا وإسرائيل "الإذلال والعار والندم الدائم والاستسلام النهائي". وادعى أن "المراكز التي تعتقدون أنكم استهدفتموها غير مهمّة، إذ إن إنتاجنا العسكري الاستراتيجي يجري في مواقع لا تعلمون عنها شيئًا على الإطلاق، ولن تتمكّنوا أبدًا من الوصول إليها".
في المقابل، أكدت القيادة المركزية الأميركية أنها أحرزت "تقدّمًا لا يمكن انكاره" ضدّ إيران. وخرج أكبر مصنعين للصلب في إيران عن الخدمة إثر سلسلة من الضربات، حسب المصنعين، فيما اندلع حريق قرب مطار مشهد في شمال شرق إيران إثر إصابة خزان وقود بمقذوف. وكشف الجيش الإسرائيلي أنه قضى السبت على قائد "مقرّ النفط" التابع لقوات النظام الإيراني. واغتال قائد وحدة الصواريخ الباليستية التابعة لـ "الحرس الثوري" في كرمانشاه الإثنين، إضافة إلى ثلاثة من قادة الكتائب. واستهدف بين يومَي الأربعاء والخميس 50 هدفًا تابعًا لمنظومة الصواريخ الباليستية في وسط إيران وغربها.
وهاجم الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقرّات عسكرية مركزية تابعة لـ "الحرس" في طهران كانت تُستخدم لإدارة موازنات أجهزة الأمن وتمويل أنشطة إرهابية في أنحاء العالم، كما استهدف قاعدة تابعة للقوات البرية في "الحرس" ومقرًا متنقلًا لقادة النظام في العاصمة، في حين تعرّضت إسرائيل لهجمات صاروخية إيرانية أسفرت عن إصابات، كما اعترضت صاروخًا قادمًا من اليمن.
في الغضون، تعاملت السعودية والإمارات وقطر والكويت مع هجمات إيرانية جوية. واستهدفت غارات جوية مواقع "الحشد الشعبي" في مدينة حديثة في غرب العراق، وقوات تابعة له في القيارة جنوب الموصل، ما أدّى إلى إصابة سبعة مقاتلين. واستهدفت مسيّرتان منشأة دبلوماسية أميركية بالقرب من مطار بغداد، في وقت أعلن فيه العراق بدء تصدير النفط عبر سوريا.
وبينما دعا ترامب الدول المتضرّرة من إغلاق هرمز إلى "تحريره"، ترأست بريطانيا اجتماعًا عن بُعد بمشاركة نحو 40 دولة، منها فرنسا وألمانيا وكندا والإمارات والهند، لكن بغياب أميركا، لمناقشة اتخاذ إجراءات مشتركة بهدف إعادة فتح المضيق ووقف إيران عن "اتخاذ الاقتصاد العالمي رهينة". ورغم انتهاء اللقاء من دون التوصل إلى اتفاقات محدّدة، أجمع المجتمعون على ضرورة منع إيران من فرض رسوم عبور في المضيق. وستشهد المرحلة التالية اجتماعًا لخبراء عسكريين الأسبوع المقبل لمناقشة خيارات تشمل أعمال إزالة الألغام المحتملة، وتوفير قوة أمنية لطمأنة الملاحة التجارية.
في هذا الإطار، اعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أن أي عملية عسكرية لـ "تحرير" هرمز ستكون "غير واقعية". واتهم ترامب بإفراغ حلف "الناتو" من مضمونه عبر "زرع الشك يوميًا في التزامه" داخل الحلف، مشدّدًا على أنه "عندما نكون جدّيين لا نقول كلّ يوم عكس ما قلناه في اليوم السابق"، بينما أوضحت موسكو أن مضيق هرمز مفتوح أمام روسيا. وبحث وزيرا خارجية روسيا وإيران هاتفيًا الوضع في المضيق. وذكرت إيران أنها تعمل على صياغة بروتوكول مع عُمان لمراقبة حركة المرور في المضيق. واعتبرت بكين أن "العمل العسكري غير القانوني" ضدّ إيران هو "السبب الجذري" لتعطّل الملاحة في هرمز، داعية الأطراف المتحاربة إلى "العمل معًا لخفض التصعيد".
توازيًا، دعا الرئيس بوتين، خلال اتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، حسب الكرملين، فيما أفادت وكالة "واس" بأن بوتين أكد لبن سلمان دعم موسكو حفظ سيادة وأمن أراضي المملكة، كما تم بحث التداعيات السلبية للتصعيد وتأثيره على أمن الملاحة البحرية والاقتصاد العالمي.
وأعربت البحرين عن أملها في أن يصوّت مجلس الأمن اليوم على قرار صاغته بدعم من دول الخليج لحماية الملاحة في مضيق هرمز وحوله. وبينما قدّمت المنامة أخيرًا نسخة محدّثة لتجنب استخدام موسكو أو بكين حق النقض، أفادت وكالة "أسوشييتد برس" بأن روسيا والصين اعترضتا عليها. وأكدت الدوحة في رسالة إلى الأمم المتحدة أن الهجمات الإيرانية عليها تجعل طهران ملزمة "بتقديم التعويض عن كافة الأضرار التي تتكبّدها قطر" نتيجة الهجمات الإيرانية.
إلى ذلك، اعتبرت الأرجنتين القائم بالأعمال الإيراني "شخصًا غير مرغوب فيه" وأمرته بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بعدما اتهمت طهران الرئيس الأرجنتيني ووزير خارجيته بالتصرّف "تحت تأثير النظام الصهيوني المحتلّ والإبادي وأميركا"، إذ كانت بوينس آيرس قد صنفت أخيرًا "الحرس الثوري" منظمة إرهابية. بالتوازي، طلبت مجموعتا "سيتي غروب" و"غولدمان ساكس" المصرفيتان من موظفيهما في باريس العمل من المنزل، وشدّدتا تدابيرهما الأمنية، عقب إحباط اعتداء استهدف فرع "بنك أوف أميركا" في باريس السبت الماضي حاولت تنفيذه مجموعة موالية لإيران، حسب القضاء الفرنسي.
وبهدف زرع الخوف والثأر مِمن يطالبون بتغيير سياسي جذري وشامل، أعدم النظام الإيراني أمس شابًا يبلغ من العمر 18 عامًا، شنقًا، بعدما دين بالمشاركة بتنفيذ أعمال لمصلحة أميركا وإسرائيل خلال الثورة الأخيرة، حسب السلطات القضائية، بينما أكدت منظمة "إيران لحقوق الإنسان" أنه "تعرّض للتعذيب ودين على أساس اعترافات انتُزعت منه خلال محاكمة صورية". واعتقل النظام المحامية الحقوقية نسرين سوتوده الأربعاء، حسبما كشفت ابنتها أمس. وكانت سوتوده قد مُنحت جوائز دولية عدّة في إطار دفاعها عن حقوق الإنسان والمرأة، كما أمضت فترات طويلة خلف القضبان بسبب نشاطها الحقوقي.