شهدت الساحة الجنوبية تطوّرات متسارعة، لم تقتصر على الغارات الجوية التي طالت نطاقًا واسعًا من قرى وبلدات منطقتي النبطية وصور، ولا على التحذيرات التي استهدفت مباني وأحياء في مدينة صور وضواحيها، بل تجاوزت ذلك إلى استخدام صواريخ موقّتة تنفجر بعد خمس دقائق من سقوطها، في محاولة واضحة من الجيش الإسرائيلي لرفع عدد الإصابات في صفوف المسعفين الذين يصلون إلى أماكن الاستهداف فور وقوع الغارات.
كان يوم الجنوب محتدمًا بامتياز، بلا هدنة ولا فسحة لالتقاط الأنفاس. غارات متلاحقة دفعت الأهالي الصامدين إلى رفع مستوى التأهّب، تحسّبًا لأي تصعيد محتمل، لا سيّما أن العديد من الاستهدافات طالت منازل مأهولة بالسكان، كما حصل في المجمع السكني الواقع بين حبوش والكفور، حيث أسفرت إحدى الغارات عن سقوط قتيلين واثنين وعشرين جريحًا من سكان المبنى، بينهم طفلة.
«نداء الوطن» جالت على عدد من القرى التي تعرّضت للاستهداف، وكان التوقّف عند بلدة الدوير، التي تتعرّض منذ اليوم الأول للحرب لغارات متكرّرة أدّت إلى دمار واسع في أحيائها الداخلية. قرابة مئتي عائلة ما زالت صامدة في البلدة، رافضة النزوح، وقد تحوّل هذا الصمود إلى فعل تحدٍّ في وجه الخطر، رغم تصاعد حدّة الغارات.
في الطريق إلى البلدة، يرافقك الدمار وحده. صمتٌ ثقيل وهدوء حذر يسيطران على المشهد. الحركة شبه معدومة، والبلدة مقفلة بالكامل؛ محالّها ومؤسساتها على غرار سائر القرى، فيما تعتمد العائلات في تأمين احتياجاتها على المساعدات التي يوزّعها بعض أبناء البلدة.
وسط هذا المشهد، يبرز جهاد حطيط، الذي يعمل «كالدينمو» في توزيع المعونات، متنقّلًا من منزل إلى آخر في ما يصفه بـ«رحلة التآخي». العسكري المتقاعد من قوى الأمن الداخلي لا يكتفي بالاهتمام بأبناء بلدته، بل يعتني أيضًا بنحو ثلاثين قطة، لكلٍّ منها اسم يذكّره بعزيز، إضافة إلى دجاجته الشهيرة «سمية» التي فقدها إثر الغارات التي استهدفت حي ديشوم، حيث يسكن مع أقاربه من عناصر قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني والأمن العام.
يبدأ نهار جهاد بتوزيع المعونات، ثم تنطلق رحلة إطعام الحيوانات، التي بات يعتبرها «أصدقاءه في زمن الحرب». يقول: «ما أقوم به فعل إنساني. هذه الحيوانات تخاف، وتحتاج من يحميها. هي تستشعر الخطر مع كل غارة».
يحظى حطيط بدعم واسع من أبناء بلدته في الاغتراب والمقيمين، لتأمين احتياجات الصامدين، مؤكدًا: «نقف جنبًا إلى جنب في هذه المحنة كي نتجاوزها».
في حي ديشوم، يتحدّث الدمار الذي طال عددًا من المنازل عن حجم الألم. يستغرب حطيط سبب الاستهداف قائلًا: «الجميع يعلم أن المنازل هنا تعود لعناصر في القوى الأمنية»، قبل أن يضيف: «يحاول الإسرائيلي تدمير كل شيء ودفعنا إلى النزوح، لكننا لن نغادر. هنا باقون في أرضنا».
على مقربة من منزله، يقع منزل قريبه خضر حطيط، الذي نجا من الإصابة بعناية إلهية. قبل ساعات من الاستهداف كان قد غادر لقضاء حاجاته، ليعود ويجد منزله المؤلّف من ثلاث طبقات قد سُوّي بالأرض. يقول بأسى: «انهار المنزل فوق سيارة فولكسفاغن قديمة كنا نعيد تصنيعها منذ 15 عامًا. والدي كان يجهّز كل قطعة بيديه، ولم يبقَ سوى تركيب المحرّك، لكن الغارة قضت عليها. سنعيد العمل عليها من جديد بعد الحرب».
لم يبقَ من منزل خضر سوى كنبة يجلس عليها بين الحين والآخر، وعصا يتوكأ عليها وهو يحرس الحي. هو ورفيقه جهار باتا، بحسب وصفه، «حرّاس البلدة» في وجه لصوص الحرب وكل من تسوّل له نفسه العبث بالمكان.
قصة حي ديشوم ليست استثناءً، بل تختصر حكايات عشرات العائلات الجنوبية التي تواجه الحرب بالصمود، وتنتظر اللحظة التي تضع فيها هذه الحرب أوزارها.
ويُذكر أن الغارات تركّزت في منطقة النبطية على بلدات حبوش، دير الزهراني، أنصار، حاروف، بريقع، كفرصير، النبطية، شوكين وغيرها، في يوم وُصف بالأشدّ حدّة بعد فترة من الهدوء الحذر.







