تصعيد غير مسبوق شهدته منطقة النبطية، لم تهدأ فيه الغارات ولا الاستهدافات، والتي تركزت على استهداف الصامدين في المنطقة، سواء في منازلهم كما حصل مع العائلة النازحة من بلدة حولا، حيث أسفرت الغارة عن مقتل الأب والأم وجرح ولديهما، أو كما حصل مع عائلة برجاوي التي هربت من حيّها في تول عقب الغارة التي استهدفت محيط منزلها، ليُصار إلى استهداف سيارتهم بغارة من مسيّرة عند آبار فخر الدين في كفرجوز، ما أسفر عن مقتل الأب مراد برجاوي وزوجته فيفيان بريطع وجرح ولديهما بجروح متوسطة.
التصعيد الأخطر منذ بداية الحرب مرّ على منطقة النبطية التي غاشت منعطفًا خطيرًا، فالحرب أرخت بظلالها على كل شيء، وتركّت آثارها الوخيمة على الاقتصاد والقوة الصناعية في المنطقة. ملايين الدولارات هي التقديرات الأولية للخسائر الاقتصادية والتجارية، أضيف إليها ضرب المدن الصناعية التي تتميز بمحالها المتلاصقة، المتنوعة بين قطع السيارات، المخرطة، صناعة الإشكمانات وغيرها.
في الدوير، استُهدفت محال متخصصة بصناعة الإشكمانات، كانت مقصدًا للباحثين عن مختلف أنواع الإشكمانات من مختلف قرى وبلدات لبنان. هذه المحال تحولت إلى ركام ودمار. بين الركام يسير محمد جابر، أحد أصحاب هذه المحال، يتفقد حال “تعب العمر” وفق توصيفه. وبحسبه: “لم يبقَ شيء، فقط بقايا مكان”. ويستغرب جابر سبب استهداف المحال الصناعية، قائلًا: “لا يوجد هنا صواريخ ولا أسلحة، فقط إشكمانات. نحن نصنع أحدث الإشكمانات ونصدرها إلى السوق المحلي، نكاد نكون الوحيدين الذين نصنعها محليًا، ومع الأسف هذه الصناعة تحولت ركامًا ودمارًا”.
وبحرقة يتحدث جابر عما آلت إليه محاله ومحال أشقائه: “نعتاش من هذه المهنة أربع عائلات، إضافة إلى عائلات العمال لدينا، غير أن الإسرائيلي اليوم بدأ بضرب القوة الاقتصادية للمواطنين”.
عند مدخل بلدة الدوير، التي تعرضت لأكثر من ست غارات ليلًا، الطريق مقطوعة. وهي الطريق الرئيسية الأولى التي يتم استهدافها، وتعد أوتوسترادًا يصل النبطية بصور. حفرة عملاقة أحدثتها الغارة وسط دمار وأضرار وخسائر مادية جسيمة طالت كل المحال الصناعية. فالمدينة الصناعية في الدوير تمتد من مدخل البلدة وبطول كيلومتر مربع، وتتوزع المحال على كلا مسربي الطريق. يتفقد جابر حال المحال المجاورة قائلًا: “مهن الناس ضاعت في مهب الحرب، هذا الرزق كل صاحب محل تعب سنين ليطوره، تحولت ركامًا ودمارًا”.
لا يقدّر جابر حجم خسائره قائلًا: “لم أحصِ الأضرار بعد لكنها كبيرة جدًا، ما أعرفه أننا عدنا إلى نقطة الصفر، وهذا الأخطر”. وبحسبه: “لن أترك الدمار يهزمنا، سنعيد بناء كل شيء بعد انتهاء الحرب”.
الاستهدافات الاقتصادية في منطقة النبطية تتوالى بين استهداف المجمعات التجارية والصناعية والاقتصادية، ما يضع الواقع الاقتصادي للمواطن على المحك. فقبل الحرب كانت الأسواق تعيش حالًا من الركود والانكماش، فكيف اليوم مع استهدافات مباشرة وأضرار كبيرة لا يمكن إحصاؤها.
يوم النبطية الأصعب لم يقتصر على استهداف القوة الاقتصادية، بل طال الباحثين عن عمل. أربعة شبان استهدفتهم مسيّرة عند مفرق كفررمان، أحدهم كان يوزع الخبز على الصامدين، وثلاثة يعملون على نقل السيارات لأصحابها ليتمكنوا من مواجهة تداعيات الحرب المعيشية. لكن هذه اللقمة كانت مغمّسة بالخطر، فانتهت بالاستهداف، لترتفع فاتورة الضحايا في منطقة النبطية بشكل كبير.





