في آخر مرّة جلستَ فيها مع عائلتك أو أصدقائك، كم دقيقة مرّت قبل أن يمسك أحدهم هاتفه؟ لا تتذكّر؟ ربما لأنك كنتَ مشغولًا بهاتفك أنت أيضًا. لم يعد الأمر مجرّد عادة سيئة، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تُعيد تشكيل معنى الجلسة والحضور والعلاقة الإنسانية من أساسها.
يُطلق علماء النفس على هذه الحالة اسم "الغياب الانتقائي" حين يكون الجسد في المكان لكن الانتباه في مكان آخر تمامًا. الجلسة لم تنتهِ، لكنها تغيّرت جوهريًّا. أصبحنا نتشارك المكان دون أن نتشارك اللحظة. نجلس معًا، ونضحك منفردين على شيء لا يعرفه من بجانبنا.
الأخطر من ذلك أن هذا الغياب بات مقبولًا. لم نعد نعتذر حين نمسك هواتفنا في منتصف الحديث. بل بات رفع الهاتف وسط الجلسة نوعًا من "الحق المكتسب"، وكأن اللحظة التي نحياها أقلّ أهمية من الإشعار الذي وصل.
من الدائرة إلى المستطيل
قبل عقود، كانت الجلسة تعني دائرة؛ وجوهٌ تتطلّع إلى بعضها، وأحاديث تنتقل من صوت إلى صوت. اليوم، اقتحم المستطيل الصغير تلك الدائرة وكسرها. لم تعد الجلسة دائرة متكاملة، بل باتت أفرادًا متجاورين لكلّ منهم دائرته الرقمية الخاصة.
ما يثير الدهشة أن هذا التحوّل لم يحدث بقرار جماعي. لم يتفق الناس ذات يوم على أن يصبح الهاتف ضيف الشرف في كلّ لقاء. حدث ذلك ببطء، بهدوء، باستسلام لإغراء كل إشعار وكل منشور. وفجأة، وجد الجميع أنفسهم في غرفة مليئة بالأشخاص والوحدة في آنٍ واحد.
الصمت الجديد
كان الصمت بين الناس يعني الارتياح أو التأمل أو اللحظة التي تسبق فكرة عميقة. أمّا اليوم، فالصمت يعني الهاتف. حين يسكت الحديث، لا يُفكّر أحد، بل يتفقد كلّ واحد شاشته. أصبح الهاتف مخرجًا من كل موقف محرج، ومن كل حديث مُتعب، ومن كل لحظة تتطلّب جهدًا اجتماعيًا حقيقيًا.
وهنا يكمن الثمن الحقيقي: حين نهرب من الصّمت، نهرب أيضًا من فرصة التعمّق في العلاقة. العلاقات الإنسانية تحتاج إلى لحظات خام غير مصقولة، إلى توقف، إلى نظرة، إلى ارتباك أحيانًا. الهاتف يُلغي كلّ ذلك ويقدّم بديلًا أملس وسهلًا لكنه فارغ.
هل من عودة؟
لا يبدو أن الحلّ في مصادرة الهواتف أو الحنين إلى ما قبل التطبيقات. لكن ثمّة أسئلة تستحق أن نطرحها على أنفسنا: هل نحن نستخدم الهاتف أم يستخدمنا؟ هل اخترنا هذه الجلسة الرقمية أم وقعنا فيها؟
بعض العائلات بدأت تعتمد "منطقة خالية من الهاتف" على مائدة الطعام. بعض الأصدقاء يضعون هواتفهم في وسط الطاولة وأوّل من يمدّ يده يدفع الحساب. ربما تبدو هذه الحلول ساذجة، لكنها في الحقيقة فعل مقاومة صغير ضدّ عادة كبيرة.
في النهاية، الجلسة لم تمت. لكنها تتألّم. وما تحتاجه ليس تقنية أفضل، بل حضورًا أصدق. حضور يقرّر أن اللحظة التي يعيشها الآن- هذه الضحكة، هذا الحديث، هذا الشخص- تستحق أن تُرى بعينين لا بشاشة.