بينما تُقاس الحروب عادة بعدد الصواريخ والدبابات والخسائر الميدانية، هناك معيار آخر أكثر عمقًا وأبقى أثرًا: الأخلاق. وفي هذا الميزان تحديدًا، تبدو إيران وكأنها خسرت الحرب قبل أن تبدأ فعليًا بخسارتها عسكريًا.
في الأيام الأخيرة، برز مشهد كاشف. الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، سخّرت قدرات عسكرية هائلة لإنقاذ طيارين اثنين فقط، أُسقطت طائرتهما داخل الأراضي الإيرانية. نحن لا نتحدّث عن عملية تقليدية، بل عن واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ تعقيدًا في تاريخ الجيش الأميركي. مروحيات، مقاتلات، قاذفات، وطائرات تزويد بالوقود. أكثر من 150 طائرة شاركت في مهمّة الإنقاذ الثانية… كلّ هذا من أجل إنسان واحد.
هذه ليست مبالغة عسكرية، بل عقيدة. عقيدة تقول إن الجندي ليس رقمًا، وإن الدولة لا تترك أحدًا خلفها. عقيدة تُترجم بقرار سياسي واضح: حياة الفرد تساوي كلّ هذا الجهد، كلّ هذا الخطر، كلّ هذه الكلفة.
في المقابل، صورة أخرى تتشكّل في إيران. منذ 40 يومًا تحديدًا، الإنترنت مقطوع عن ملايين الإيرانيين. في مضيق هرمز، تُفرض إتاوات على السفن. والأخطر، حملة تجنيد لأطفال تصل أعمارهم إلى الـ 12 عامًا، يُزجّ بهم في نقاط التفتيش وهم يحملون السلاح.
لكن الأخطر من ذلك كلّه، هو سلوك القيادات نفسها. من طهران إلى تلال عين سعادة، يتكرّر النمط ذاته: مسؤولون وقادة يختبئون بين المدنيين، يختارون الأحياء السكنية ملاذًا، ويحوّلون الناس إلى دروع بشرية.
وهنا يتعزز التوازي أكثر. دولة تُخاطر بعشرات الطائرات لإنقاذ طيار واحد… ودولة تُخاطر بشعبها بأكمله لحماية برنامجيها النووي والباليستي، وأذرعها في المنطقة، ومشروعها التدميري. دولة تُنقذ أبناءها من قلب الخطر… ودولة تنقل الخطر إلى قلب أبنائها.
وإذا توقفت الحرب اليوم، فإن السؤال لن يكون فقط: من انتصر عسكريًا؟ بل: كيف ستعود إيران إلى محيطها؟ كيف ستنظر إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين والأردن... بعدما ضربتها واستهدفت استقرارها، وضغطت على اقتصاداتها، وأغلقت شريانها الحيوي نحو العالم؟ كيف يمكن إعادة بناء الثقة، بعدما تحوّلت الجغرافيا إلى ساحة تهديد مفتوح؟ كيف يمكن إقناع المنطقة بأن هذا السلوك كان استثناءً، وليس نهجًا؟
في النهاية، المسألة ليست فقط من يربح الحرب، بل من يستطيع العيش بعد الحرب. لأن الدول لا تُقاس فقط بقوّتها، بل بقدرتها على أن تكون شريكًا، لا تهديدًا. أن تكون عنصر استقرار، لا مصدر قلق دائم. وفي هذا الميزان، قد تتأخر الخسارة العسكرية، لكن الخسارة الأخلاقية، عندما تقع، تكون فورية… ونهائية.