نوال برّو

النازحون يدفعون ثمن الحرب… إيجارات خيالية وشروط تعجيزية

4 دقائق للقراءة

مع تصاعد حجم القصف والدمار، لم يعد النزوح نتيجة قاسية للحرب فقط، بل أصبح أزمة إنسانية متسعة تفضح انقسامات المجتمع اللبناني. وبالعودة إلى نقطة التحول، اقتُلع مئات الآلاف من بيوتهم في منتصف ليل الثاني من آذار، ليجدوا أنفسهم يبحثون عن مأوى يحتمون فيه من غدر الغارات الإسرائيلية. وبحسب "الدولية للمعلومات"، طال النزوح نحو 820 ألف شخص، بينهم 130 ألف سوري عادوا إلى بلادهم، و136 ألفاً لجأوا إلى مراكز الإيواء، فيما توزّع الباقون بين بيوت مستأجرة ومنازل أقارب.

الأزمة بدأت تظهر مع أسعار الشقق الخيالية، حيث سجلت الشقق في المناطق الآمنة أسعارا عالية، وظهرت معها شروط تعجيزية. وبين من يحمّل الجشع مسؤولية ما يحصل، ومن يبرّر الأمر بمنطق العرض والطلب، تبقى الحقيقة واحدة: معاناة النازحين اليوم تتجاوز كل ما عرفوه سابقاً، وتفوق قسوتها حتى ظروف حرب 2024.

وإذا تصفّحت الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي، ترى عروضات مشابهة لما يلي: شقة غير مفروشة مؤلّفة من غرفتين، إيجارها الشهري 1000$، بعدما كان قبل الحرب بنحو 200$ فقط. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تُفرض شروط مرهقة، كدفع ستة أشهر سلفاً، إضافة إلى العمولة وتحديد عدد أفراد العائلة.

أما الأغرب، فيتمثّل في لجوء بعض المالكين إلى وضع شروط تمييزية كعدم وجود رجال إطلاقاً أو عدم تأجير نساء محجّبات.

وتوضيحاً لما يحصل، يقول نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين وليد موسى إنّ سوق الإيجارات في لبنان يشهد اختلالاً واضحاً في ظل الحرب والنزوح، حيث تراجع العرض بشكل ملحوظ مقابل ارتفاع الطلب، لا سيما مع امتناع عدد كبير من المالكين عن تأجير شققهم. ويوضح أنّ هذا الامتناع يعود إلى حالة الغضب والانقسام السياسي، إضافة إلى عدم رضى بعض المواطنين عن انخراط حزب الله في الحرب، ما دفعهم إلى العزوف عن التأجير.

ويضيف موسى أنّ العامل الأمني يلعب دوراً أساسياً، فالخوف من الاستهدافات التي تطال بعض المناطق، على غرار ما حصل في الحازمية وعرمون، يحدّ من عرض الشقق، حتى لدى من كانوا يعرضونها سابقاً بأسعار مرتفعة، لأن المؤجّر يرى نفسه "يُضحي" بشقته.

ولتوصيف لهذا الواقع، يرى موسى أنّ "سبب الاستغلال هو نفسه العرض والطلب"، لكنه شدد في المقابل على أنّ ليس جميع المالكين يمارسون الاستغلال، إذ لا يزال هناك من يؤجّر بأسعار منطقية.

وعن سبب ارتفاع أسعار الإيجارات مقارنة بالحرب السابقة يوضح أن ذلك يعود لتوفر عدد أكبر من الشقق المعروضة للإيجار في تلك المرحلة حيث كان وجود النازحين مقبولاً مجتمعياً أكثر.

أما عن المعايير التي يفترض أن تحدد الأسعار في ظروف استثنائية، فيشرح موسى أنّ الدولة لا تملك أدوات قانونية لضبط الإيجارات، وأنّ الأمر متروك لضمير كل مالك، داعياً إلى عدم استغلال النازحين، ومذكّراً بأنّ "معظمهم متضررون من الحرب ولا ذنب لهم".

كذلك يتطرق موسى إلى دور النقابة، قائلاً إنّه توجيهي بالدرجة الأولى، حيث تنبّه الأعضاء والعاملين في القطاع من المساهمة في تضخيم الأسعار، بالإضافة إلى ضرورة التأكد من هويات المستأجرين والتنسيق مع الأجهزة الأمنية والبلديات، منعاً لوقوع استهدافات في مناطق آمنة.

وفي نصيحة للباحثين عن منازل للإيجار، يدعو موسى إياهم إلى توخي الحذر من الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم تحويل مستحقات الإيجار قبل معاينة الشقة والتواصل المباشر مع المالك. كما يحثّهم على التأكد من مصداقية الشركات عبر النقابة، تفادياً لعمليات الاحتيال.

ويختم موسى مطمئناً إلى أن ما يشهده السوق حالياً هو مرحلة ظرفية، حيث ستتبدل الأسعار لاحقاً تبعاً لمعادلة العرض والطلب.

وأخيراً، يجب التذكير أن معظم النازحين هم ضحايا حرب لم يختاروها، وقد دفعوا ثمنها أمنهم واستقرارهم. فلا تزيدوا معاناتهم بالتمييز أو الأحكام المسبقة.