دول المنطقة جميعًا في مسار معلّق بما تنتهي إليه الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. ولا فرق بين دول على الحياد ودول فرضت عليها طهران الحرب وأخرى اختارت أدوار الوساطة. وحده لبنان يواجه، إلى جانب خطر الارتباط بحرب إيران والذي فرضه عليه دخول "حزب الله" في الحرب دفاعًا عن ولاية الفقيه، مشكلة فك الارتباط إذا توقفت الحرب، بحيث توجه إسرائيل كل قوتها لما تسميه "إكمال المهمة" في الشمال. والأخطر منهما معًا هو تلویح "حزب الله" بأمرين غير عاديين. أولهما في حال "النصر" باستعادة الهيمنة الكاملة على السلطة ومعاقبة الأكثرية اللبنانية التي وقفت ضد حربه "الإيرانية" مع إسرائيل. وثانيهما في حال "الصمود" الذي هو اسم مستعار للهزيمة باستخدام السلاح في الداخل على طريقة الجيوش العربية بعد عام 1948. فالجيوش العربية التي عجزت عن منع قيام إسرائيل ارتدت على الداخل، وبدأت سلسلة انقلابات عسكرية تحت عنوان "الاستعداد لتحرير فلسطين بعد "تحرير" العواصم من السلطات المدنية "الضعيفة والفاسدة". والنتيجة هزيمة مدوية في حرب 1967 خسرت فيها الجيوش سيناء والجولان والضفة الغربية، وحافظت على السلطات العسكرية المهزومة مع المزيد من الفساد وتعاظم القمع.
وها هو "الحزب" يهدد بقلب الطاولة على الجميع والقيام بانقلاب يمسك فيه بالسلطة مباشرة من دون حساب للجيش وأكثرية اللبنانيين والقوى العربية والدولية. فضلاً عن تحديات التعاطي مع إسرائيل التي في حرب مستمرة مع "الحزب" وفي احتلال يتوسع في الجنوب. فهل الخيار هو حرب دائمة وخسارة المزيد من الأرض أم اتفاق أمني يضمن الأمن في شمال إسرائيل وخسارة خطاب الممانعة والمقاومة؟ وهل يمكن عزل لبنان عن دينامية التحولات الهائلة في المنطقة بعد حرب غزة ولبنان وسقوط النظام السوري ومضاعفات حرب إيران؟
وهذا بالطبع أقرب إلى العالم الافتراضي منه إلى العالم الواقعي. فلا لبنان المتعدد الأحزاب والطوائف يمكن حكمه بسلطة حزب واحد أو طائفة واحدة أو عصبية قبلية واحدة كما هي الحال في عدد من الدول العربية. ولا حديث "الحزب" المتجدد عن أهمية الوحدة الوطنية والحاجة إليها سوى اعتراف بأن مواجهة إسرائيل في غياب الوحدة الوطنية هي عملياً مواجهة غير متكافئة عسكريًا وغير مقبولة وطنيًا وسياسيًا في الداخل، ولا جدوى بحيث يصير الهدف هو القتال للقتال من أجل الاحتفاظ بالسلاح؟ فما قيمة السلاح من دون مشروع وطني؟ وأي شرعية للسلاح في إطار مشروع إقليمي إيراني على حساب لبنان، حتى قبل أن يقرر مجلس الوزراء اعتبار هذا السلاح "خارج القانون" ولو من دون تنفيذ كامل؟ وما معنى قتال يخسر فيه لبنان الجنوب وينزح شعبه، ويدعي "حزب الله" أنه في "نصر إلهي" على طريقة أنه منتصر إذا استشهد ومنتصر إذا بقي حيًا؟
ذلك أن الاحتلال ليس الخطر الإسرائيلي الوحيد على لبنان. لكن الخطر الإسرائيلي لا يحجب الخطر الإيراني. والخطر المزدوج لا يدفعه الموقف الأحادي. فهما خطران، لا فقط على لبنان بل أيضًا على سوريا والشعب الفلسطيني وكل الدول العربية بما فيها الدول التي في سلام أو اتفاقات معلنة أو سرية مع إسرائيل والدول التي في تفاهمات مع إيران والتي لا تزال تطمح إلى تعزيز العلاقات مع طهران بعد نهاية الحرب وما قام به الحرس الثوري ولا يزال من قصف بالصواريخ وبالمسيرات للأعيان المدنية والمراكز الصناعية والاقتصادية والمنشآت النفطية والغازية في بلدان الخليج العربي.
إسرائیل بقيادة نتنياهو والتيار المدني والديني المتطرف تريد، لا فقط منع قيام دولة فلسطينية بل أيضًا قتل فكرة الدولة والاستيلاء على الأرض التي من دونها لا مكان لدولة. وإيران التي ترفع شعار تحرير فلسطين وإزالة إسرائيل كانت أعمالها من خلال "حماس" و "حزب الله" وسواهما حجة استخدمتها تل أبيب ضد "حل الدولتين" على أساس أن أية دولة فلسطينية ستكون مجرد "منصة إرهابية" لطهران.
كان تشرشل يقول خلال الحرب العالمية الثانية:"إذا غزا هتلر الجحيم فسوف أتحدث جيدًا عن الشيطان في مجلس العموم". لكن مشكلة لبنان والعرب هي مواجهة "الخطط الشيطانية نفسها".