هدنة أميركية - إيرانية هشة تتأرجح فوق خط الانهيار

7 دقائق للقراءة

رغم التفاؤل الحذر الذي ساد في المنطقة فجر الأربعاء مع موافقة واشنطن وطهران على هدنة لمدّة أسبوعين واتفاقهما على إجراء محادثات لإنهاء الحرب في إسلام آباد السبت، أضعفت أحداث أمس الآمال في أن تسفر الهدنة عن اتفاق نهائي، إذ بدا أن مواقف وشروط الطرفين لا تزال بعيدة جدًا من التوصل إلى أرضية مشتركة، خصوصًا في ما يتعلّق بتخصيب اليورانيوم داخل إيران، وشمول وقف النار لبنان من عدمه، وفتح مضيق هرمز، فيما استمرّت الهجمات الإيرانية الإرهابية على دول المنطقة، كما أكدت واشنطن استعدادها لمواصلة القتال في حال فشلت المساعي الدبلوماسية.

برزت فجوات وتناقضات في شروط إيران المُعلنة للتوصل إلى اتفاق، إذ حسب النصّ الفارسي للاتفاق الذي نشرته وسائل الإعلام الإيرانية، تنصّ الخطة الإيرانية على قبول واشنطن بتخصيب اليورانيوم في إيران، لكن غاب ذلك عن النسخة الإنكليزية التي قدّمتها الجمهورية الإسلامية إلى الأمم المتحدة، في وقت جزم فيه الرئيس ترامب بأنه "لن يكون هناك أي تخصيب لليورانيوم، وستقوم أميركا، بالتعاون مع إيران، بنبش وإزالة كلّ "الغبار" النووي المدفون عميقًا، وهو تحت مراقبة دقيقة جدًا عبر الأقمار الاصطناعية".

وبعدما تفاجأ مراقبون بإعلان ترامب أن لائحة إيران المؤلّفة من 10 شروط لإنهاء الحرب تشكّل "أساسًا عمليًا للتفاوض"، أوضح البيت الأبيض أن مقترح النقاط الـ 10 الذي نشرته إيران ليس مجموعة الشروط عينها التي اعتبرتها أميركا "أساسًا عمليًا يمكن التفاوض عليه"، كاشفًا أن طهران قدّمت مقترحًا جديدًا "أكثر معقولية ومختلفًا تمامًا ومختصرًا" قبيل انتهاء مهلة ترامب، وقد يتوافق مع الخطة الأميركية المؤلّفة من 15 نقطة. ونشر ترامب منشورًا لم يشر فيه إلى النقاط الإيرانية الـ 10، التي تتضمّن شروطًا تعجيزية، بل إلى المقترح الأميركي المؤلّف من 15 نقطة، الذي كانت إيران قد رفضته سابقًا.

وحسم ترامب أن "هناك مجموعة واحدة فقط من النقاط ذات المعنى والمقبولة لدينا، وسنناقشها خلف أبواب مغلقة خلال المفاوضات". وأوضح أنه "نجري، وسنجري، محادثات مع إيران في شأن تخفيف الرسوم الجمركية والعقوبات، وقد جرى بالفعل الاتفاق على العديد من النقاط الـ 15"، فيما حذر ترامب من أن "أي دولة تزوّد إيران بأسلحة عسكرية ستُفرض عليها فورًا تعرفة جمركية بنسبة 50 في المئة على أي وكافة السلع المباعة إلى أميركا"، مشددًا على أنه "لن تكون هناك أي استثناءات أو إعفاءات". بالتوازي، أكد البيت الأبيض أن المفاوضات مع إيران ستجرى في إسلام آباد السبت بحضور نائب الرئيس جيه دي فانس والمبعوث ويتكوف وصهر الرئيس كوشنر.

في المقابل، تحدّث رئيس البرلمان الإيراني قاليباف عن انتهاك "ثلاثة بنود أساسية من المقترح المؤلّف من 10 نقاط (الإطار المتفق عليه) قبل بدء المفاوضات"، وهي عدم وقف النار في لبنان، ودخول طائرة مسيّرة متسللة إلى الأجواء الإيرانية في مدينة لار في محافظة فارس، وإنكار حق إيران في التخصيب، محذرًا من أنه "في مثل هذا الوضع، فإن وقف إطلاق نار ثنائيًا أو إجراء مفاوضات يُعدّ أمرًا غير معقول". كما تحدّث وزير الخارجية الإيراني عراقجي عن "خروقات" إسرائيلية لوقف النار خلال اتصال مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، حسب طهران.

وبعدما كانت باكستان قد أكدت أن وقف النار يشمل لبنان، حسمت إسرائيل أن الأخير غير مشمول وكثفت هجماتها في أنحاء البلاد، بينما توعّد "الحرس الثوري" بأن "يعاقب إسرائيل على الفظائع التي ارتكبتها في لبنان وعلى انتهاك شروط وقف النار". ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن مصدر مطّلع تحذيره من أن طهران "ستنسحب من الاتفاق إذا واصلت إسرائيل انتهاك وقف النار في هجومها على لبنان"، لكن ترامب جزم بأن لبنان غير مشمول بوقف النار، مشيرًا إلى أن ذلك "بسبب "حزب الله"، وسيُعالج ذلك أيضًا، لا بأس". وأكد أن الحملة ضدّ "حزب الله" مختلفة عن الحملة ضدّ إيران، فيما أوضح "أكسيوس" أن ترامب منح نتنياهو الضوء الأخضر لاستمرار الحرب في لبنان خلال اتصال هاتفي.

أما في ما يتعلّق بمضيق هرمز، فأكد ترامب أن بلاده "ستساعد في التكدّس المروري" في هرمز، و "سيكون هناك الكثير من التحرّكات الإيجابية، وسيتم جني أموال طائلة، ويمكن لإيران أن تبدأ عملية إعادة الإعمار"، حاسمًا أنه "سنبقى متواجدين من أجل التأكد من أن كلّ شيء يسير على ما يرام"، فيما أوضح لاحقًا أنه قد تكون هناك شراكة أميركية - إيرانية مشتركة لفرض رسوم عبور عبر هرمز، كما نقلت "أيه بي سي نيوز" عنه.

وبعد ساعات من إعلان الاتفاق، عبرت سفينتان مضيق هرمز وفقًا لبيانات موقع "مارين ترافيك" لتتبع حركة الملاحة البحرية، لكن حاولت قلّة من السفن القيام برحلات عبر المضيق، رغم دعوة ترامب إلى "فتح كامل وفوري وآمن" له كشرط لوقف النار، حيث أبلغت إيران السفن الراسية قرب المضيق بضرورة الحصول على إذن من بحرية "الحرس الثوري" قبل العبور، وإلّا فإنها تخاطر بالتعرّض للتدمير، وفقًا لتسجيل لاسلكي بحري شاركه أحد أفراد طاقم سفينة مع صحيفة "وول ستريت جورنال".

خليجيًا، تعاملت السعودية وقطر مع هجمات جوية إيرانية. وأفادت صحيفة "فاينانشال تايمز" ووكالة "رويترز" بأن إيران هاجمت خط أنابيب نفط شرق - غرب السعودي، وهو مسار بديل لتصدير الخام من المملكة منذ بدء الحرب، بعد ساعات من وقف النار. وتعاملت الإمارات مع 17 صاروخًا باليستيًا و35 مسيّرة، في حين تعاملت الكويت مع أربعة صواريخ باليستية و42 مسيّرة. واستهدفت مسيّرات عددًا من المواقع في الكويت، شملت مرافق نفطية وثلاث محطات للقوى الكهربائية وتقطير المياه، ما أسفر عن أضرار مادية جسيمة طالت مرافق البنية التحتية ووحدات التوليد والمقطرات وخزانات الوقود، إضافة إلى اندلاع عدد من الحرائق في بعض المواقع. وفيما ادعت طهران أن هجماتها على دول الخليج جاءت كردّ على استهداف منشآت نفطية في جزيرة لاوان الإيرانية بعد وقف النار، زعم مسؤول دفاع أميركي لموقع "أكسيوس" بأن الضربة على المصفاة لم تنفذها أميركا أو إسرائيل.

وأكدت الإمارات سعيها إلى الحصول على مزيد من الإيضاحات في شأن بنود الاتفاق بين واشنطن وطهران، بما يضمن التزام إيران الكامل بالوقف الفوري لأي أعمال عدائية في المنطقة وإعادة فتح هرمز بشكل كامل وغير مشروط. وأكدت أن "الاعتداءات الإيرانية الغادرة" تستدعي "اتخاذ مواقف حازمة، مع مساءلة إيران وتعويض كامل عن الأضرار والخسائر". وحسمت أن "معالجة التهديدات الإيرانية يجب أن تكون شاملة وكاملة، بما في ذلك القدرات النووية، الصواريخ الباليستية، والمسيّرات، والقدرات العسكرية، ووكلاؤها وأذرعها الإرهابية في المنطقة، ووقف التهديدات التي تستهدف حرّية الملاحة".

في الغضون، استدعت الكويت القائم بأعمال سفارة العراق لديها وسلّمته مذكرة احتجاج على أعمال "الاقتحام والتخريب" التي طالت مبنى قنصليتها في البصرة الثلثاء. وبعدما أكدت "المقاومة الإسلامية في العراق" تعليق هجماتها في العراق وفي أنحاء المنطقة لمدّة أسبوعين، كشفت السفارة الأميركية في العراق أن ميليشيات إرهابية عراقية موالية لإيران نفذت هجمات بمسيّرات عدّة بالقرب من مركز الدعم الدبلوماسي ومطار بغداد الدولي، محذرة رعاياها من هجمات إضافية محتملة.

أما على صعيد المعارضة الإيرانية، فتوجّه ولي العهد السابق المنفي رضا بهلوي إلى مواطنيه بالقول: "أعلم أن خبر وقف النار لمدّة أسبوعين قد أحبط كثيرين منكم، لكن اليوم ليس وقت اليأس، بل وقت الإيمان الأكبر بالنصر"، مؤكدًا أن الضربات التي تلقتها إيران "غير مسبوقة، وغير قابلة للإصلاح بالنسبة إلى هذا النظام". وطالب الإيرانيين بالتحلّي بالصبر، حماية أنفسهم، وانتظار "اللحظة الحاسمة، بإيمان بالنصر وبجهوزية كاملة"، فيما رحّبت الأمينة العامة لمنظمة "مجاهدي خلق" مريم رجوي بوقف النار، لكنها جزمت بأن "السلام الدائم... لا يمكن تحقيقه إلّا من خلال إسقاط الديكتاتورية الإرهابية والمحرّضة على الحرب".