في إيران اليوم، يعتبر الغياب القسري للمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، أشدّ ضجيجًا من طبول الحرب، فالتكهّنات حول احتمال حدوث تغيير في بنية النظام، الذي يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه حصل، باتت واقعًا تفرضه التطوّرات الميدانية وتكتبه المذكرات الاستخباراتية.
كشفت صحيفة "التايمز" البريطانية تصدّع رأس السلطة في طهران، وتتحدّث تقارير استخباراتية مسرّبة أوردتها الصحيفة، عن أن مجتبى في حالة صحية حرجة في مدينة قم فاقدًا الوعي منذ إصابته بغارة جوية منذ أواخر شباط الماضي. وضع يشير بوضوح إلى أن رأس الهرم تضرّر ربّما بشكل لا رجعة فيه، ما يثير تساؤلات في شأن استقرار هرم السلطة.
في هذا السياق، تشهد إيران ومنذ اندلاع الحرب تحوّلًا ملحوظًا في موازين القوى داخلها، حيث ازداد نفوذ القيادات العسكرية، في مقابل تراجع الدور الديني التقليدي، ما يشير بوضوح إلى أن النظام لم يعد كتلة واحدة صلبة، وذلك بفعل فقدان الرؤوس المدبرة في الاستخبارات والعمليات الخارجية والجيش، وتشظيه إلى لامركزية عسكرية تقودها أجنحة متصارعة داخل "الحرس الثوري". بمعنى آخر، تحوّلت إيران من نظام ديني يرتكز على الولي الفقيه إلى نظام عسكري صريح يقوده ما تبقى من جنرالات "الحرس الثوري".
الخميني قام بنوع من ثورة في الفكر الشيعي، لناحية إيجاد فكرة "المرشد الأعلى" كموقع يجمع ما بين موقعه الديني والقرار السياسي، مدخلًا نظام حكم جديدًا لا يشبه أي نظام في أي دولة في العالم، جامعًا ما بين الثيوقراطية الدينية ومظاهر الديمقراطية، فنرى بحسب ما يشرح الخبير في الشؤون الإيرانية د. خالد الحاج، مرشدًا أعلى يحتكر القرار الاستراتيجي ويضبط التوازن بين الدين والأمن والسياسة، ضمن منظومة مفهومة البنية.
وخامنئي نفسه تسلّم السلطة بعد الخميني، كمرحلة انتقالية إلى حين إيجاد شخصية تخلفه. لكنه استطاع، بحسب الحاج، أن يكوّن علاقة قوية جدًا مع "الحرس الثوري"، وبُنيت مصالح بين الطرفين قامت على إعطاء صلاحيات كبيرة جدًا لـ "الحرس الثوري" في مفاصل الدولة وتقويته، مقابل بقائه في الحكم، منشئًا مكتبًا خاصًا به، شكّل مجتبى خامنئي جزءًا منه.
ويوضح الحاج أن اغتيال القيادات والشخصيات الأساسية في الحرب الحالية، نقل مركز الثقل إلى أقوى تنظيم موجود في إيران، ألا وهو "الحرس الثوري"، وبالتالي تركّز القرار السياسي والعسكري بيده، وانتقلنا من المرجعية الدينية - السياسية إلى بنية أمنية - عسكرية، تُقرأ بوضوح من خلال طبيعة القرارات، نمط التعيينات وطريقة إدارة الحرب. بمعنى آخر، ما حصل في إيران هو انقلاب عسكري لكن ليس بالشكل الكلاسيكي، لم يحتج إلى دبابات في الشوارع لسبب بسيط أن الجهة التي قامت به ليست جيشًا تقليديًا، بل بنية عقائدية - عسكرية متغلغلة أصلاً داخل الدولة.
ويكشف الحاج أن ثلاث شخصيات بارزة في "الحرس الثوري" تسيطر على القرار السياسي مع غياب المرشد الجديد، هي أحمد وحيدي، محسن رضائي ومحمد باقر ذو القدر. وهذه الدائرة الضيّقة إذا تأكد أنها مركز الثقل الفعلي اليوم في إيران، نكون، بحسب الحاج، أمام تحوّل سياسي، بل أمام تثبيت انقلاب عسكري تقوده بنية "الحرس الثوري" داخل النظام نفسه.
النظام الإيراني الذي عرفناه تغيّر، وترامب بضغوطه وسياساته قد لا يكون أطاح النظام عبر عملية عسكرية تقليدية، لكنه نجح في تحويله من مشروع توسّعي إلى كيان يصارع للبقاء، إذ انتقلت طهران من عباءة الولي الفقيه إلى قبضة "الحرس الثوري" وصراعات أجنحته، حتى باتت ربّما أقسى طموحات إيران اليوم تأخير لحظة الانهيار الشامل، لا بسط النفوذ الإقليمي.