المخرج رمال أبي يونس

لبنان: إما دولة أو رهينة ولا حلّ وسطي

6 دقائق للقراءة

في لبنان اليوم، لا حرب تُخاض بالكامل، ولا سلام يُصنع بالكامل. والمشكلة لم تعد في الحرب نفسها، بل في من يصرّ على إبقائها حيّة. لم يعد لبنان في مرحلة أزمة، بل دخل فعلياً مرحلة الاستنزاف المنهجي

فاعل خارجي يضغط بذكاء، وفاعل داخلي يتصلّب بعناد، فيما الدولة غائبة عن اتخاذ القرار. والنتيجة بلد يتحوّل تدريجيًا من كيان سياسي إلى مساحة نفوذ متنازع عليها.

لبنان اليوم يعيش بين قرار لم يُتخذ، وثمن يُدفع يوميًا. في الجهة الأولى، إسرائيل لا تتعامل مع لبنان كدولة، بل كساحة مفتوحة لتصفية حساباتها الأمنية. ضربات محسوبة، رسائل نارية، واستراتيجية واضحة تقوم على الضغط المستمر لكسر التوازن، بهدف تفكيك أي تهديد على حدودها، حتى لو كان الثمن بلداً كاملاً يتآكل لكن الكارثة لا تقف عند هذا الحد.

في الجهة المقابلة، يقف "حزب الله" كدولة داخل الدولة، لا كفاعل لبناني صرف، بل كجزء من مشروع إقليمي أوسع، يرتبط بإيران أكثر مما يرتبط بحدود الدولة اللبنانية. وقرار الحرب والسلم لم يعد لبنانياً خالصاً، بل أصبح امتداداً لحسابات تُدار من خارج بيروت. العناد هنا ليس تفصيلاً، بل عقيدة… والنتيجة أن لبنان يُستهلك ويُدمر نتيجة تنفيذ قرارات إيرانية، وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.

عناد مقابل إدارة ضغط، والضحية دولة فاقدة القدرة على القرار السيادي، تتحرّك بين الضغوط دون القدرة على فرض مسار.

الرئيس عون طرح باب المفاوضات، لكن في لبنان، التفاوض ليس مجرد طاولة، بل صراع إرادات. الدبلوماسية، رغم بطئها، تملك ميزة واحدة: تقليل الخسائر. أما الحرب، فمعادلتها واضحة: تُنتج دماراً أسرع من أي مكسب. وإسرائيل تضرب دون أن تنجرّ إلى حرب شاملة، وتُنزف خصمها ببطء. في المقابل، يثبّت "حزب الله" نفسه كقوة ردع، لكن على أرض منهكة واقتصاد يحتضر. وبين الاثنين، لا يوجد توازن، بل بلد يدفع فاتورة لا يملك القدرة على سدادها...

اقتصادياً، الكلفة باهظة. خسائر تُقدّر بين 10 و18 مليار دولار في أي مواجهة متوسطة تمتد لأسابيع، مع احتمال تراجع إضافي في قيمة العملة يصل إلى 30–50%، وشلل شبه كامل في القطاعات الإنتاجية، خصوصاً في بلد يعتمد على الخدمات والسياحة وتحويلات المغتربين.

أما بشرياً، الصورة أكثر قسوة. مئات آلاف النازحين، وهجرة متسارعة للكفاءات، وضغط حاد على بنية صحية وخدماتية تعاني أساساً من الهشاشة. أما البنية التحتية، فأي استهداف واسع لشبكات الكهرباء والاتصالات قد يعيد البلد إلى ما دون الحد الأدنى من التشغيل، في وقت قد تتجاوز فيه كلفة إعادة الإعمار 25 مليار دولار، من دون أي جهة تمويل واضحة.

ولنكن صريحين، السلاح لم يعد مجرد أداة دفاع، بل أصبح محور الأزمة. أي طرح لتسليمه لن يكون خطوة تقنية فقط بل إعادة تعريف كاملة للسلطة داخل لبنان. وإذا حصل، فلن يكون مجانياً. ف"حزب الله" لن يخرج من المعادلة، بل سيطلب ثمناً سياسياً كبيراً: ضمانات داخلية تحمي نفوذه، ودوراً مقرراً في القرار الاستراتيجي، وربما إعادة صياغة التوازن السياسي بما يكرّس حضوره كقوة لا يمكن تجاوزها. أي أن تسليم السلاح قد لا يعني نهاية النفوذ، بل تحوّله إلى شكل آخر

في هذا الشرق، يُتهم السلام بالخيانة، لكن الحقيقة أبسط وأقسى: الدول لا تعيش على الشعارات، بل على الاستقرار. لبنان المنهك اقتصادياً لا يملك ترف الحروب الطويلة. السلام يعني استثمارات، إعادة بناء، عودة الثقة، ووقف الانهيار، أما الحرب فتعني العكس تماماً. السلام هنا ليس خياراً رومانسياً، بل ضرورة وجودية

ويبقى السؤال الأكثر قسوة، الذي لا يُطرح علناً: من سيموّل إعادة إعمار لبنان؟

إيران؟ تدعم عسكرياً وتحرّض سياسيا ولا تبني دولا

الدول العربية لم تعد تمنح الدعم دون شروط، والثقة لم تعد كما كانت خاصة في ظل التوتر مع "حزب الله" واتهامات تتعلق بنشاطاته وإكتشاف خليات تابعة له خارج لبنان

أما المجتمع الدولي، فلن يضخ أموالاً في بلد لا يملك قرار نفسه.

الخلاصة واضحة: لا إعمار دون سيادة.

لبنان اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات واضحة

إما تصعيد شامل يقود إلى دمار واسع بلا منتصر حقيقي مع تدخلات إقليمية غير مباشرة، ويكون لبنان فيه الخاسر الأكبر

أو استمرار الاستنزاف عبر ضربات محدودة، مع إستنزاف بطيء طويل الأمد، وانهيار بطيء بلا لحظة انفجار واضحة

أو صفقة كبرى تعيد رسم التوازن، تشمل ضبط السلاح أو إعادة تعريف دوره، مقابل ضمانات أمنية وتسويات سياسية وإدماج سياسي أوسع ل"حزب الله"، وفتح باب دعم دولي مشروط مع إستقرار نسبي مقابل أثمان سياسية كبيرة.

في جميع الحالات، الكلفة تُدفع من لبنان وخريطة الربح والخسارة لا تحتاج إلى تفسير. الرابحون هم من يديرون الصراع دون أن يُستنزفوا داخلياً ويحافطون على نفوذهم بأقل كلفة ممكنة. أما الخاسرون، فهم الدولة اللبنانية، اقتصادها، وشعبها الذي يبقى الخاسر الأكبر دائماً

لبنان لا يواجه أزمة واحدة، بل مجموعة قرارات مؤجلة. هل يكون دولة أم يبقى ساحة؟ هل يحتكر قراره أم يبقى موزعاً؟ هل يختار التفاوض أم يترك الحرب تختاره؟

الحقيقة القاسية أن كل يوم تأجيل هو قرار غير معلن بالانهيار ولبنان لا يُقتل بالصواريخ فقط، بل بالانتظار والأخطر من الحرب… هو الاعتياد عليها

وبين خبث الخارج وعناد الداخل، يُذبح وطن كان يجب أن يكون دولة لا ساحة، وقراراً سيادياً لا امتداداً لصراعات الآخرين

فالحقيقة لم تعد تحتمل التجميل لبنان اليوم عالق بين مشروعين: مشروع يريد دولة طبيعية تعيش بسلام. ومشروع آخر يصرّ على إبقائه منصة مفتوحة لحروب لا تنتهي.

والنقاش لم يعد نظرياً، ولا سياسياً بالمعنى التقليدي وهو صراع على هوية لبنان نفسها. هل يكون لبنان دولة عربية مستقلة، سيّدة على قرارها؟ أم يبقى رهينة مشروع إقليمي يُدار من خارج حدوده، يفرض أولوياته، ويُدخل البلد في حروب لا قرار له فيها؟ فالمسألة لم تعد مقاومة أو سياسة، بل أصبحت سؤال سيادة.

فلبنان لا يُحكم بالشعارات، ولا يُبنى على منطق الساحات المفتوحة، ولا يمكن لدولة أن تقوم فيما قرار الحرب والسلم ليس بيدها.

الوضوح هنا ضرورة.. لا يمكن الجمع بين دولة حقيقية وسلاح خارجها، ولا بين سيادة كاملة وقرار مرتبط بعواصم أخرى لبنان لا يحتاج أن يتعلّم لغة أحد، ولا أن يُعاد تشكيله وفق هوية لا تشبهه، لبنان كان وسيبقى بلداً عربياً لا تابعاً، لا ملحقاً، ولا مجرد ورقة في لعبة الأمم.

في النهاية: لبنان إما دولة بقرارها أو ساحة بقرار الآخرين ولا مساحة بين الاثنين. ولبنان كان وسيظل جمهورية وأرض للسلام ولن يكون جمهورية إرهاب وهدر للدماء شاء من شاء وأبى من أبى.