عيسى يحيى

هل الدفاع عن موقف سلام على قدر حملات التخوين التي يتعرّض لها؟

4 دقائق للقراءة

يأتي تصاعد حملات التخوين ضد الرئيس نواف سلام في توقيت بالغ الدقة، يمرّ فيه لبنان بواحدة من أخطر مراحله، حيث تتسع رقعة الحرب وتزداد الضغوط الإقليمية بشكل غير مسبوق. هذا التصعيد لم يكن معزولاً عن سياقه، بل تزامن مع تحولات كبرى في المشهد الإقليمي، أبرزها وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو وقفٌ بدا وكأنه لم يلحظ لبنان في حساباته.

بالتوازي تلقّى لبنان ضربة قاسية يوم الأربعاء، وُصفت بأنها أشبه بـ بيجر 2  نظرًا لحجمها وكثافتها، حيث نُفّذت نحو مئة غارة خلال دقائق معدودة سقط خلالها ضحايا مدنيون في مناطق متفرقة. هذه الضربة لم تكن مجرد حدث عسكري بل شكّلت نقطة تحوّل نفسية وسياسية، أعادت طرح أسئلة كبرى حول موقع لبنان في هذه الحرب، ومن يتحمّل كلفتها.

في هذا المناخ تصاعدت رواية داخلية مفادها أن إيران تركت "حزب الله" وحيدًا في المواجهة، هذا الشعور سواء كان دقيقا أم لا، انعكس توترًا داخل بيئة الحزب، تُرجم سياسيًا عبر نقل الضغط إلى الداخل، وتحديدًا نحو ما يُنظر إليه كـ خاصرة رخوة: رئاسة الحكومة.

وعليه يمكن قراءة حملات التخوين التي طالت رئيس الحكومة، ليس فقط كخلاف سياسي، بل كجزء من نمط متكرر في الحياة السياسية اللبنانية، يقوم على الهروب إلى الأمام عند الأزمات، وتحميل المسؤوليات لخصوم الداخل. هذا النمط ليس جديداً، بل يمتد إلى ما بعد اغتيال رفيق الحريري، حين تحوّلت طائفة بأكملها إلى هدف سياسي وإعلامي، رغم أدوارها في محطات مفصلية، من بينها تحركات الحريري الدولية خلال حرب 1996 لوقف العدوان على لبنان، والتي يعاد التذكير بها لإحراج الرئيس سلام، والفرق شاسع بين المرحلتين والحربين، كما حدث يوم اضاءة صخرة الروشة.

اليوم يُعاد إنتاج المشهد نفسه، ولكن في سياق أكثر تعقيدًا. فبعد تراجع الدور السوري التقليدي، وإقفال أحد أبرز الشرايين اللوجستية التي شكّلت لعقود ركيزة أساسية لقوة "حزب الله"، تبدو الساحة الداخلية وكأنها البديل الوحيد لتفريغ الضغوط. وفي هذا الإطار تتحول رئاسة الحكومة إلى مساحة اشتباك سياسي، تُستخدم فيها لغة التخوين واتهامات العمالة، على خلفية توجه الحكومة لفتح باب التفاوض، وكأن التفاوض بحد ذاته بات فعلاً مشبوهاً، لا أداة من أدوات إدارة الأزمات.

غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في الهجوم، بل في غياب التوازن المقابل، فرغم الدعم الذي عبر عنه نواب بيروت وفعاليات سنية لنواف سلام هذا الدعم ليس كافيًا وليس على مستوى التحديات والحملات التي يتعرض لها، كما حصل مثلًا مع فؤاد السنيورة خلال مرحلة ما بعد حرب تموز.

يومها وُصفت حكومة السنيورة بـ "حكومة المقاومة"، قبل أن تنقلب عليها الاتهامات لاحقاً، وتُحمَّل مسؤوليات قرارات تتعلق بملفات حساسة كشبكة الاتصالات. المفارقة أن الوقائع التي كُشف عنها لاحقاً تحدثت عن محاولات حثيثة لوقف الحرب عبر قنوات سياسية، قبل أن تتبدل المواقف جذرياً.

اليوم يعيد التاريخ طرح نفسه، ولكن بسؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يعني أن يُترك رئيس الحكومة في مواجهة هذا الضغط، من دون غطاء سياسي كبير؟ وهل يمكن أن يفتح هذا الفراغ الباب أمام تدخلات خارجية جديدة؟ هنا يبرز اسم أحمد الشرع، في ظل الحديث عن دور سوري متجدد، وضغط متزايد على الحدود.

فهل يمكن في لحظة ما، أن يُعاد رسم التوازن عبر مظلة سياسية خارجية سورية تحديداً تُحيط برئاسة الحكومة، وتفرض خطوطًا حمراء حولها؟ وهل التقاعس المحلي والاقليمي لحماية سلام يدفع  لطلب العون من الشرع؟ وهل يبقى السُنة عرضةً لإتهامات ثقيلة داخلياً يتحملونها خوفاً من الصدامات؟ وإذا حصل ذلك، هل تستمر حملات التخوين، أم تتبدل قواعد الاشتباك كما حصل في محطات سابقة؟

في المحصلة لا تبدو المسألة مجرد خلاف على قرار أو موقف، بل تعبير عن خلل عميق في التوازن الداخلي، حيث يُستسهل استهداف موقع دستوري أساسي في لحظة انهيار وطني شامل، وبين التخوين والفراغ، يبقى السؤال مفتوحاً: من يحمي الدولة عندما تصبح هي نفسها ساحة المواجهة؟