نبيل يوسف

في ذكرى غياب الأب مرتينوس سابا الراهب اللبناني

5 دقائق للقراءة

لا بد في الذكرى السنوية الأولى لغياب الراهب اللبناني الأب مرتينوس سابا (10 نيسان 2025) من التوقف عند بعض ما قام به من أجل القضية اللبنانية التي وكمثل باقي أخوته الرهبان سكنتهم هذه القضية المقدسة وقدموا كل ما استطاعوا من أجلها

ربطتني معرفة بالأب مرتينوس سابا وزرته أكثر من مرة في ديره محاولاً أن أجعله يخبر عما يعرف، لكنه وطوال قرابة آخر 40 سنة من عمره الذي قضاه راهباً ديرياً رفض الحديث عما قام به رغم الحاحي وادخالي أكثر من وسيط، وغالباً ما كان يبتسم ويرد: عملنا واجباتنا وما قدمنا أكتر من غيرنا الذين قدموا حياتهم من أجل لبنان

من بعض الأخبار المتناقلة من مقربين من الأب مرتيونس سابا هذه الروايات:

أخبر الأمير فاروق أبي اللمع أنه سنة 1985 وكان سفيراً للبنان في باريس زار الرئيس رشيد كرامي العاصمة الفرنسية وكان رئيساً للحكومة فأقام له في السفارة حفل استقبال على شرفه كان من بين المشاركين فيه الأب مرتينوس سابا الذي صودف وجوده يومها في فرنسا

خلال تقديم الأب مرتينوس سابا للرئيس رشيد كرامي شعر الأمير فاروق أبي اللمع والأب سابا أن الاسم استوقف الرئيس كرامي فابتسم الأب مرتينوس وقال للرئيس كرامي: اسمي ذكرك بباخرة الأكوامارينا.

هز الرئيس كرامي رأسه وابتسم، وخلال الحفل جرى نقاش بين المشاركين عن مرحلة الحرب ومما قال الأب مرتينوس سابا للرئيس رشيد كرامي عن باخرة الأكوامارينا: دولة الرئيس كنا مهددين في وجودنا ويريدون رمينا في البحر فالاستسلام ممنوع ما دام هناك شاب مسيحي قادر على حمل السلاح فاضطرينا مرغمين على التسلح واشترينا السلاح من الأسواق السوداء العالمية.

رد الرئيس رشيد كرامي: ما حدا كان بدو يكبكم بالبحر وما حدا بيقدر يكبكم بالبحر والبلد ما الو قيمة من دونكم.

نعود الى بدايات الحرب، فيوم اضطرت الدولة لقبول وقف اطلاق النار مع الفلسطينين في أيار 1973 تأكد أنه لم يعد هناك من جيش يمكن الاتكال عليه، فلا بد من فتح مخيمات التدريب للشباب.

في تلك الفترة غادر عدد من الرهبان الى أوروبا من بينهم الأب مرتينوس سابا يطلبون الدعم، فحاولوا التواصل مع المرجعيات الروحية والسياسية والحزبية الأوروبية شارحين الوضع والخطر المحدق بلبنان، وبعد عودتهم قال الأب مرتينوس سابا للآباتي شربل قسيس والرهبان: لا تتكلوا على أوروبا لن يساعدنا أحد وعلينا الاتكال على أنفسنا. وكان قرار الرهبنة دعم الصمود

اندلعت الحرب ربيع 1975 وقاتل المسيحيون طوال أشهر "باللحم الحي"، وأصبح هناك خطر كبير باجتياح القرى والبلدات المسيحية فكانت باخرة السلاح الشهيرة التي وصلت في تشرين 1975 وعرفت بباخرة الأكوامارينا لأنه تم افراغها في مرفأ منتجع الأكوامارينا قرب مدينة جونية.

كان الأب مرتينوس سابا في قلب حدث الباخرة: رافقها من البدايات وكان في باريس يفاوض تجار السلاح عندما توجه النائب جبران طوق الى غانا لشراء السلاح، وعندما رفض القبطان مغادرة اليونان الى سواحل لبنان خوفاً توجه الأب مرتينوس سابا من جونيه الى أثينا والتقى القبطان وأعطاه اكرامية هائلة حتى وافق على الابحار مجدداً.

وصلت الباخرة وبدأ افراغها وبقي الأب مرتينوس سابا مع عدد من الرهبان قرب المقاتلين يشدون العزائم ويقدمون لهم الطعام والشراب: لم يغادر الا ساعات قليلة لبعض الراحة.

من أخبار الأب مرتينوس سابا عند مرفأ الأكوامارينا.

احضار الماعز من جرد كسروان

بعد أن افتضح أمر الباخرة وأصر رئيس الحكومة رشيد كرامي على تفتيشها اقترح الأب مرتينوس سابا جلب بعض رؤوس الماعز واصعادها اليها والادعاء أنها باخرة مواشي متكفلاً باحضار الماعز

توجه الى جرد كسروان واقنع أحد الرعاة بالهبوط الى الشاطىء مع بعض رؤوس الماعز، وعند أول تباشير الصباح كان الراعي يقف مع ماعزه عند مرفأ الأكوامارينا ونقلت رؤوس الماعز الى الباخرة التي كشف عليها العقيد ديب كمال وأعيدت الى صاحبها الذي عاد جرد كسروان

توزيع السلاح

كانت شاحنات السلاح تخرج من مرفأ الأكوامارينا ووجهتها الأديرة ومستودعات القرى والبلدات المسيحية، وكان يرافقها شباب الأحزاب المسيحية ويؤمن مرورها على حواجز الجيش ضباط وجنود موضع ثقة.

أتى من يخبر الأب مرتينوس سابا أنه من الأفضل التحدث مع أحد ضباط الجيش ليؤمن عبور الشاحنة عند الحاجز الذي يشرف عليه، فتكفل بالتحدث معه

عبثاً حاول الأب سابا اقناع الضابط دون جدوى فوقف وقال للضابط بتحدٍ: بكرا في هذا الوقت ستعبر الشاحنة وأنت ستشير لها بالعبور.

رد الضابط: سأوقفها.

عاد الأب مرتينوس سابا الى مرفأ الأكوامارينا غاضباً وأتى من يقول له أن معظم شباب قرية هذا الضابط عند شاطىء الأكوامارينا ومن بينهم أشقائه وأولاد أعمامه

ابتسم الأب مرتينوس وفي الوقت المحدد كان الضابط يقف عند الحاجز مصراً على توقيف الشاحنة التي شاهدها تقترب والتفت فشاهد الى جانب السائق شقيقه وابن عمه: كان الأب مرتينوس طلب منهما مرافقة الشاحنة

أخبر الضابط لاحقاً: في لحظة شعرت أن جبالاً وقعت على رأسي فكيف أوقف الشاحنة؟، وهل سأتمكن من العودة الى القرية؟

ولا شعورياً أشار للسائق باكمال طريقه ومن يقود الشاحنة سائق عتيق مجرب راح ينهب الأرض نهباً يسابق الثواني ليعبر الحاجز.

هذا غيض من فيض أخبار الأب مرتينوس سابا الذي أكمل حياته راهباً ديرياً رافضاً الحديث عن تلك المرحلة

رحم الله هذا الراهب القديس وأعطانا على مثاله ومثال رفاقه رهباناً قديسين متجذرين في هذه الأرض المقدسة