كتبت جوزيان الحاج موسى في موقع The Beiruter المقال الآتي:
في 13 نيسان 1975، دوّى إطلاق نار في عين الرمانة، فكان الشرارة التي أشعلت حربًا أهلية امتدت خمسة عشر عامًا. غير أنّ العنف لم يكن حادثًا معزولًا، بل كشف واقعًا بنيويًا عميقًا: وجود قوى مسلّحة تعمل خارج سلطة الدولة. بعد أكثر من خمسة عقود، لا يزال هذا الواقع قائمًا. ومع تجدّد الضغوط الداخلية والإقليمية على لبنان، لم يعد السؤال من باب التاريخ، بل من صلب الحاضر: هل يمكن أن يتكرر المشهد؟
نظام يحمل في داخله عوامل تفككه
وُلد النظام السياسي اللبناني وهو يحمل بذور هشاشته. فقد كرّس «الميثاق الوطني» عام 1943، كاتفاق غير مكتوب لتقاسم السلطة بين الطوائف، الهويةَ أساسًا للحكم: رئيس ماروني، رئيس حكومة سنّي، ورئيس مجلس نواب شيعي. كان ذلك حلًا فرضته لحظة تاريخية بعينها، لكنه بقي محدود القدرة على التكيّف مع التحولات.
ومع تغيّر التوازنات الديموغرافية، ظلّ النظام على جموده، فيما كانت الضغوط تتراكم.
جاءت أولى الصدمات عام 1948، مع دخول أكثر من 110 آلاف لاجئ فلسطيني إلى لبنان إثر الحرب العربية–الإسرائيلية. ثم تلتها صدمة عام 1970، حين انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية، بعد خروجها من الأردن، إلى الأراضي اللبنانية مع بنيتها العسكرية.
وبحلول عام 1969، كرّس «اتفاق القاهرة» واقعًا عجزت الدولة عن ضبطه: تحوّلت المخيمات الفلسطينية إلى مناطق شبه مستقلة تحت سلطة منظمة التحرير. عمليًا، كانت الدولة تتخلى تدريجيًا عن جزء من سيادتها. لم ينهَر الكيان دفعة واحدة، بل أخذ يتآكل تدريجيًا، بصمتٍ، وبمسارٍ لا رجعة فيه.
13 نيسان 1975: اللحظة التي فجّرت كل شيء
في صباح ذلك اليوم، أطلق مسلحون النار أمام كنيسة سيدة الخلاص في عين الرمانة، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص، بينهم مرافقون لزعيم الكتائب بيار الجميل. ونُسب الهجوم إلى فصائل فلسطينية. لم تمضِ ساعات حتى تصاعد التوتر. ففي بعد الظهر، مرّت حافلة تقل مدنيين فلسطينيين في الحي نفسه، فتعرضت لإطلاق نار من مقاتلين مرتبطين بحزب الكتائب وبدايات «القوات اللبنانية»، ما أدى إلى مقتل 27 من أصل 33 راكبًا.
لم يكن الهجوم على الحافلة مجرد حادث دموي، بل شكّل نقطة التحوّل التي نقلت التوتر من حادث موضعي إلى مواجهة مفتوحة. خلال 72 ساعة، سقط أكثر من 300 قتيل. أما الجيش اللبناني، المنقسم على أسس طائفية، فبقي في ثكناته، عاجزًا عن التدخل أو فرض السيطرة. وهكذا، تحوّل الاشتباك المحدود إلى بداية حرب أهلية استمرت خمسة عشر عامًا.
منطق الحرب: تفكك الداخل وتداخل الخارج
لم تكن الحرب اللبنانية صراعًا واحدًا، بل سلسلة من الحروب المتداخلة: لبنانيون ضد لبنانيين، لبنانيون ضد فلسطينيين، سوريا ضد لبنان، إسرائيل ضد فصائل فلسطينية، وقوى إقليمية استخدمت لبنان كساحة صراع بالوكالة.
في عام 1976، كرّست مجازر الكرنتينا والدامور نمطًا دمويًا من العنف الطائفي الانتقامي. وتدخلت سوريا، لا لتثبيت الاستقرار، بل لضبط موازين القوى ومنع أي طرف من تحقيق انتصار حاسم يهدد مصالحها.
وفي عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان، وطردت منظمة التحرير، وأعادت رسم المشهد. في العام نفسه، انتُخب بشير الجميل رئيسًا قبل أن يُغتال بعد أسابيع، لتقع بعدها مجزرة صبرا وشاتيلا التي أثارت صدمة دولية وعمّقت الانقسامات.
ومن قلب هذا المشهد، برز لاعب جديد: حزب الله. بدعم إيراني، قدّم نموذجًا أكثر تنظيمًا وأيديولوجية للحرب غير المتكافئة، نموذجًا استمر لما بعد انتهاء الحرب.
وفي عام 1990، أنهى «اتفاق الطائف» الحرب رسميًا، وفرض نزع سلاح الميليشيات باستثناء واحد.
ذلك الاستثناء سيطبع مسار لبنان السياسي والأمني لعقود.
حرب انتهت شكلًا واستمرّت مضمونًا
لم تنتهِ الحرب الأهلية في عام 1990، بل تبدّلت صورتها. أعاد «اتفاق الطائف» توزيع السلطة وكرّس النفوذ السوري، لكنه لم يعالج المشكلة الجوهرية: وجود قوة مسلّحة خارج إطار الدولة. احتفظ حزب الله بسلاحه تحت عنوان «المقاومة». لم يكن ما جرى حلًا فعليًا، بقدر ما كان تأجيلًا للأزمة. وكل أزمة كبرى تلت ذلك تعود في جذورها إلى هذا الخلل غير المعالج.
7 أيار 2008: إنذار مبكر
في 7 أيار 2008، ظهرت ملامح هذا الخلل بوضوح. بعد محاولة الحكومة تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، أعلن أمينه العام حسن نصرالله أنّ القرار «إعلان حرب».
وخلال ساعات، سيطر مقاتلو الحزب على بيروت الغربية. أُقفلت وسائل إعلام، وسُحقت قوى سياسية، وأُحكمت السيطرة على مفاصل حيوية. سقط نحو 90 قتيلًا خلال أيام، فيما بقي الجيش اللبناني على الحياد، عاجزًا عن فرض سلطته. انتهت الأزمة بـ«اتفاق الدوحة»، الذي كرّس نموذج «الديمقراطية التوافقية» المعطِّلة، مانحًا حق النقض داخل السلطة، ومحوّلًا القرار من يد الدولة إلى توازن بين قوى داخلية وخارجية، أبرزها حزب الله المدعوم من إيران ضمن إطار رعته قطر. في هذا النموذج، تراجعت الحوكمة، وتآكلت السيادة الفعلية للدولة.
2023–2026 دولة تُجرّ إلى الحرب
في 8 تشرين الأول 2023، فتح حزب الله جبهة مع إسرائيل عقب هجوم «حماس» بيوم واحد، من دون قرار من الدولة اللبنانية أو إشرافها.
التصعيد الذي تلا ذلك أعاد رسم المعادلة الاستراتيجية. ضربات إسرائيلية دمّرت بنى تحتية واستهدفت قيادات بارزة، وصولًا إلى مقتل حسن نصرالله في أيلول 2024.
أُعلن وقف إطلاق نار هش، لكنه لم يصمد. ومع مطلع 2026، تجدّدت المواجهات بفعل التصعيد الإقليمي واستمرار النشاط العسكري للحزب. آلاف الضحايا، مناطق مفرغة من سكانها، وخسائر اقتصادية عمّقت انهيار الدولة. وما يلفت في كل ذلك أن النمط نفسه تكرّر: قرار الحرب خارج الدولة، لكن كلفتها تقع عليها.
لماذا 2026 ليست 1975؟
رغم التشابه، ثمة فروقات أساسية.
لم يعد حزب الله في ذروة قوته، إذ أضعفت حرب 2024 بنيته وقيادته، حتى لو لم تُنهِه بالكامل. كما أن الذاكرة الجماعية للبنانيين باتت عامل ردع بحد ذاتها. فالحرب الأهلية ليست مجرد تاريخ، بل تجربة حيّة في الوعي العام.
إلى جانب ذلك، برزت إرادة سياسية معلنة لدى مختلف الأطراف للعودة إلى منطق الدولة، بما يعني حصر السلاح بيدها. وتعزّز هذا المسار مع انتخاب جوزيف عون وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، في لحظة نادرة من التوافق حول مبدأ السيادة، بما يشمل احتكار السلاح.
كما تبدّلت البيئة الدولية، إذ ربطت الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية أي دعم لإعادة الإعمار بإصلاحات بنيوية، من بينها نزع السلاح. بعكس عام 1975، تتقاطع اليوم الضغوط الداخلية والخارجية في الاتجاه ذاته.
لماذا يبقى الخطر قائمًا؟
ومع ذلك، لا يزال الخطر حاضرًا.
لا يزال لبنان يضم العامل نفسه الذي فجّر الحرب: قوة مسلحة خارج الدولة، بقرار مستقل ودعم خارجي. الدولة ضعيفة، وأكثر من 80% من السكان يعيشون في الفقر. الجيش اللبناني يعاني نقص التمويل والضغط، ويواجه خطر التفكك. أما النظام السياسي، فلا يزال طائفيًا، يقدّم التوازن على الفاعلية، والتسوية على السيادة. الظروف ليست متطابقة، لكنها مقلقة في تشابهها.
إذا تكررت الحرب: شكل مختلف
أي حرب جديدة لن تشبه حرب 1975–1990. ستكون أقصر، أكثر لا تماثلًا، وأكثر تدميرًا. ستتركّز في المدن، خصوصًا بيروت والمناطق المختلطة. وستستخدم الأطراف غير الحكومية وسائل متقدمة، من الطائرات المسيّرة إلى الأسلحة الدقيقة. كما سينخرط لاعبون خارجيون، كإسرائيل وإيران، منذ البداية.
سيواجه الجيش اللبناني اختبارًا حاسمًا: إما فرض السلطة أو التفكك تحت الضغط. وعلى عكس الماضي، ستجري الحرب في ظل انهيار اقتصادي عميق، ما يقلّص قدرة البلاد على الصمود أو التعافي.
السؤال الذي لم يُحسم
أزمة لبنان ليست في تنوّعه، بل في ازدواجية السلطة. في 1975، كان التحدي منظمة التحرير. اليوم، هو حزب الله. البنية واحدة: دولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم.
سؤال 2026 ليس في التذكّر، بل في القدرة على التغيير.
هل تستطيع الدولة فرض سلطة واحدة على السلاح؟ هل يمكن للقوى السياسية تقديم السيادة على الحسابات الطائفية؟ وهل يستطيع الخارج دعم الاستقرار من دون تكريس الانقسام؟
الإجابات لا تزال مفتوحة.
لكن حقيقة واحدة باتت واضحة: لبنان لا يحتمل حربًا أخرى.
بعد 51 عامًا على حافلة عين الرمانة، يقف البلد على الحافة نفسها لا لأنه نسي، بل لأنه لم يحسم خياره بعد.
التاريخ لا يعيد نفسه. لبنان هو من يُمتحَن اليوم: هل تعلّم فعلًا؟