المجريون يتحرّرون من سطوة أوربان

4 دقائق للقراءة

تعهد زعيم حزب "تيسا" الفائز بالانتخابات المجرية بيتر ماديار أمس بأن يكون حكمه "لجميع المجريين"، غداة تحقيقه انتصارًا كاسحًا على منافسه المقرّب من روسيا والمعادي لأوكرانيا رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الذي تولى منصبه بيد من حديد طوال 16 عامًا. وأكد ماديار خلال خطاب ألقاه أمام عشرات الآلاف من المحتشدين أمام مقرّ الحزب أنه "لشرف عظيم أنكم منحتمونا ثقتكم بأكبر عدد من الأصوات تم الحصول عليه حتى اليوم، كي نعمل من أجل مجر حرّة وأوروبية وفاعلة وإنسانية"، معتبرًا أن ناخبيه "حرّروا المجر"، في وقت أقرّ فيه أوربان بهزيمته، لافتًا إلى أن "نتائج الانتخابات (...) مؤلمة ولكن لا لبس فيها".

ويأتي ذلك بعدما حصد حزب "تيسا"" بزعامة ماديار 138 مقعدًا من أصل 199، بحصوله على نسبة 53,07 في المئة من الأصوات، في حين نال حزب "فيديس" بزعامة أوربان 55 مقعدًا بنسبة 38,34 في المئة من الأصوات. وبلغت نسبة المشاركة مستوى قياسيًا، إذ اقترع 79,50 في المئة من مجمل الناخبين. وأظهرت استطلاعات الرأي قبيل التصويت أن ما يصل إلى ثلثَي المجريين دون سن الـ 30 كانوا يريدون رحيل أوربان.

وكان أوربان قد صنف أوكرانيا عدوًا خلال حملته الانتخابية، متهمًا رئيسها فولوديمير زيلينسكي بالسعي إلى جرّ المجريين إلى الحرب ضد الروس، لكن المحللين رأوا أن هذه الحجة لم تقنع مواطنيه في ظل الركود الاقتصادي في المجر واستشراء الفساد فيها بشكل فاضح. أما ماديار، فوعد بتعزيز توازن السلطات وبالحرص على "جعل الدولة تعمل وفقًا للمعايير الديمقراطية"، في مهمة وصفها بأنها "هائلة". وتمكن هذا السياسي المبتدئ الذي كان ينتمي إلى حزب أوربان، من أن يُكوّن خلال سنتين حركة معارضة قادرة على إطاحة أوربان، مع أن الأخير كان قد فصّل النظام الانتخابي على قياسه وصاغه بطريقه تخدم مصالحه، وأخضع وسائل الإعلام لسيطرته.

وتشكل خسارة أوربان، الذي جعل من المجر نموذجًا للديمقراطية غير الليبرالية، مصدر ارتياح للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا ونكسة للكرملين، إذ لعب أوربان دورًا سلبيًا جدًا في المواجهة مع موسكو، مستخدمًا مرارًا سلاح حق النقض لابتزاز التكتل وتعطيل قراراته المصيرية، بما في ذلك الدعم المالي لأوكرانيا. وأعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين عن سرورها لأن المجر "اختارت أوروبا". واعتبرت برلين أن فوز ماديار يحيي "أملًا كبيرًا" في الإفراج عن المساعدات الأوروبية لأوكرانيا سريعًا. ورفعت كييف التوصية التي كانت موجَّهة إلى مواطنيها بعدم السفر إلى المجر، معربة عن أملها في "تطبيع العلاقات" مع جارتها. وأشادت بولندا  بهزيمة أوربان، معتبرة أن ذلك يؤشر على أن "الأنظمة الاستبدادية" ليست قدرًا في أوروبا.

وكان أوربان قد استخدم حق النقض في الاتحاد الأوروبي ضد قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا الذي كان القادة، بمن فيهم أوربان نفسه، قد اتفقوا عليه في كانون الأول 2025، لكن تراجعت المجر عن موافقتها بعد توقف واردات النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا الذي يمر عبر أوكرانيا، متهمة كييف بالتسبب بذلك. وبينما يريد ماديار إقامة علاقات جيّدة مع الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أنه لن يعرقل القرض لأوكرانيا، حسم أنه يعارض إرسال أسلحة أو أموال مجرية إلى كييف، كما يعارض تسريع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقد تعهّد بإحالة هذه القضية إلى استفتاء، ما يعني فعليًا إبطاء العملية، في ظل المشاعر الواسعة المناهضة لأوكرانيا داخل المجتمع المجري، والتي يحتاج إلى مراعاتها للحفاظ على التأييد.

في الغضون، أملت روسيا في إقامة علاقات "براغماتية" مع القيادة الجديدة في المجر. وقدّم رئيسا الوزراء التشيكي أندريه بابيش والسلوفاكي روبرت فيكو، المقرّبان من أوربان، تهانيهما لماديار، متعهدين بالتعاون معه كما فعلا مع سلفه. وانتقدت زعيمة اليمين الحازم الفرنسي مارين لوبن، التي زارت بودابست في نهاية آذار تعبيرًا عن دعمها أوربان، "ابتهاج المفوضية الأوروبية"، مشيدة بـ "شجاعة" أوربان الذي دافع عن "سيادة المجر". وكان نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس قد زار أوربان في بودابست الثلثاء الماضي دعمًا لإعادة انتخابه، حيث أكد أنه سيفوز، متهمًا الاتحاد الأوروبي بالتدخل في التصويت، كما منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوربان خمسة تأييدات علنية خلال الأشهر الستة الماضية، متعهدًا بأن توفر واشنطن للمجر دعمًا اقتصاديًا.