الحروب لا تولد من رصاصة بل من فكرة تُزرع، وخوفٍ يكبر، وصمتٍ يطول حتى يصبح تواطؤًا.
فالحروب تبدأ حين يُصنع العدو في العقول قبل أن يظهر في الميدان، حين يُقسَّم الناس إلى نحن وهم، وحين تتحوّل الأزمات إلى وقود، والخطاب إلى سلاح، والانتظار إلى قرار مؤجّل. ثم تأتي لحظة صغيرة كحادث، كلمة، شرارة، فتفتح الباب الذي كان يُدفع بصمت كل يوم.
وعندما يُضغط الزر لا تعود الحرب حدثاً، بل قدراً تكبر أسرع من صانعيها، وتخرج عن سيطرة من أشعلها، وتبتلع كل من ظنّ أنه قادر على توجيهها. هكذا تُصنع الحروب: ببطءٍ مخيف ثم بانفجارٍ لا يُبقي ولا يذر.
في لبنان، لا تبدأ الحروب بإطلاق النار بل بالصمت الذي يسبقها ولا تمر التواريخ مرور الكرام بل تبقى محفورة على الحيطان في كل مكان. ذلك الصمت الثقيل الذي يشبه احتباس أنفاس مدينة تعرف ما ينتظرها، لكنها تفضّل أن تنظر في الاتجاه الآخر. هنا، في هذا البلد الذي يحفظ مواعيد الانفجارات أكثر مما يحفظ مواعيد الحياة، لا يأتي 13 نيسان كذكرى بل كتحذير لم يُؤخذ على محمل الجد.
ف 13 نيسان ليس يوماً في الذاكرة، بل غرفة مغلقة لم يُطفأ نورها منذ نصف قرن ومايزال صوت الأنين أو ما يعرف (بالحدى) يسمع الى يومنا هذا. هناك، في زاوية من هذا البلد، لا تزال الحرب جالسة، تراقب، وتنتظر. وليس أخطر ما في الحرب أنها تندلع، بل أنها تجد دائماً من يمهّد لها الطريق، ومن يبرّرها، ومن يظن بسذاجة قاتلة أنه قادر على التحكّم بها.
وفي كل مرة، تعود الحكاية نفسها: شرارة صغيرة، خطاب أكبر، انقسام أعمق، ثم بلد يُسحب من تحت أقدام أهله، وكأن أحداً ضغط على زرٍ كان الجميع يعرف مكانه ولم يجرؤ أحد على تعطيله.
في 13 نيسان 1975 لم تبدأ الحرب الأهلية اللبنانية كما تُروى في كتب التاريخ. لم تبدأ ببوسطة، ولا برصاصة طائشة، ولا بخلاف عابر. ما حدث كان أقرب إلى "إعلان رسمي" عن انهيارٍ كان يتكوّن بصمت، فالحافلة لم تكن السبب فقط بل كانت التوقيع الأخير على وثيقة حرب كُتبت فصولها قبل ذلك بسنوات.
لبنان يومها كان هشّاً بما يكفي لينكسر، ومشحوناً بما يكفي لينفجر. دولة ضعيفة، سلاح خارجها، انقسام داخلي يتغذّى على الخارج، وخارج يستثمر في كل شق داخلي. كانت كل العناصر حاضرة، تنتظر فقط لحظة واحدة… وجاءت.
لكن الأخطر من لحظة البداية هو ما بعدها، فالحروب في لبنان لا تنتهي، بل تغيّر جلدها. واليوم وبعد عقود، يبدو المشهد مألوفاً بشكل مقلق. ولكن الاختلاف الوحيد هو في الشكل أما الجوهر، فهو نفسه وربما أكثر تعقيداً.
الدولة لا تزال واقفة، لكن كواجهة والسلاح لم يختفِ، بل أصبح أكثر تنظيماً وانتشاراً والاقتصاد لم يعد مجرد أزمة، بل انهياراً يُغذّي الغضب واليأس والخطاب لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح تحريضياً، سريع الاشتعال اما الخارج لم يخرج بل أصبح أكثر دهاءً، أقل ظهوراً، وأكثر تأثيراً.
واليوم، لا يكمن الخطر في اختلاف سياسي عابر، بل في انقسام جوهري حول مفهوم الدولة نفسها. ولبنان لا يقف على خط تماس تقليدي، بل على تماس أخطر بكثير: تماس بين منطق الدولة ومنطق ما فوق الدولة.
ففي قلب المشهد، يتكرّس واقع مزدوج: دولة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها صاحبة القرار، وقوة مسلّحة تملك قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.
هنا، تصبح المقارنة حتمية ومؤلمة في آن معا...
في مرحلة من تاريخ لبنان، حملت القوات اللبنانية السلاح تحت عنوان الدفاع عن لبنان، ثم دخلت في مسار الدولة، سلّمت سلاحها، وانخرطت في العمل السياسي، لتصبح جزءاً من النظام الذي يعترف بأن السلاح يجب أن يكون بيد الشرعية وحدها. في المقابل، يقف حزب الله في موقع مختلف جذرياً، سلاحه لم يعد تفصيلاً داخلياً، بل عنصر في معادلة إقليمية، وقراره لا يُختزل في حدود لبنان، بل يتجاوزها، وخطابه لا ينطلق فقط من مفهوم الدولة، بل من عقيدة عابرة لها. وفي حين تُطرح مسألة تسليم السلاح كمدخل لبناء الدولة، يراها هو تهديداً لوجوده ودوره.
هنا ينكسرالتوازن لأن التجربة اللبنانية أثبتت أن أي سلاح خارج إطار الدولة، مهما كانت نواياه، يتحول مع الوقت إلى نظام موازٍ، ثم إلى سلطة أعلى، ثم إلى قيد على الدولة نفسها.
وهنا يعود 13 نيسان ليطلّ من جديد ليس كتاريخ، بل كسؤال. هل يمكن لوطن أن يقوم بدولتين؟ وهل يمكن لقرار الحرب أن يكون موزّعاً بين أكثر من يد؟
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: بين طرفٍ رأى في الدولة نهاية الطريق، وطرفٍ لا يزال يرى نفسه فوقها أو خارجها. هذا التناقض لا يخلق فقط أزمة سياسية، بل يؤسس لخلل بنيوي يعيد لبنان، مرة تلو الأخرى، إلى حافة الانفجار.
ففي 1975، كان الانقسام واضحاً وصاخباً واليوم، هو أكثر هدوءاً لكنه أعمق وفي حين اختارت أطراف لبنانية أن تدفع ثمن الحرب ثم تعود إلى الدولة، لا تزال أطراف أخرى ترى في الدولة إطاراً ناقصاً، أو مجرد تفصيل ضمن مشروع أكبر.
ولبنان اليوم لا يعيش حرباً لكنه يعيش ما قبلها، فهو في رحلة التوتر الدائم، حيث كل شيء قابل للاشتعال، وكل شيء مؤجل إلى حين. في 1975، لم يكن الناس يدركون ما ينتظرهم. كانوا يدخلون الحرب دون أن يعرفوا شكلها، ولا مدّتها، ولا كلفتها
اما اليوم، الصورة مختلفة تماماً والجميع يعرف. يعرفون معنى الحرب، شكلها، وجوهها، خساراتها، ونتائجها ويعرفون أيضا أنها لا تُربح، وأنها لا تُنهي شيئاً، بل تعمّق كل شيء ومع ذلك يتصرفون كأنها احتمال بعيد وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
الجاهل قد يتراجع عندما يرى الحقيقة، أما من يعرف الحقيقة ويكمل السير نحوها، فهو لا يتوقف وهذا ما يجعل 13 نيسان اليوم أكثر خطورة من 13 نيسان الأمس، لأنه لم يعد مجرد ذكرى بل اختبار. فهل تعلّم اللبنانيون؟ الجواب، بكل برودة، لا.
فالحرب لم تكتب لها رواية واحدة، بل روايات متضاربة ولم تُستخلص الدروس، بل جرى استبدالها ببطولات وهمية، ولم تُفكك أسباب الحرب، بل أعيد تدويرها بأسماء جديدة، فالانقسام نفسه، لكن بخطاب مختلف والخوف نفسه، لكن بوسائل تعبير أحدث والسؤال نفسه بلا إجابة.
13 نيسان لم يتحوّل إلى درس وطني، بل إلى محطة سنوية للبكاء المؤقت او لتحريك مشاعر الحزن السنوي، ثم العودة إلى كل ما قاد إليه لهذا، لا يمكن النظر إلى هذا التاريخ كذكرى فقط. بل هو مؤشرعلى أن الحرب في لبنان لم تُقفل ملفاتها، ولم تُسحب أدواتها، ولم تُطوَ صفحاتها هي فقط توقفت عن إطلاق النار. وليوم، الحرب لا تقف على الباب لتقتحمه بل هي تقف بهدوء، تمسك المطرقة، تراقب التفاصيل الصغيرة.
تصريح هنا حادثة هناك إحتكاك محدود يمكن أن يكبر وأزمة يمكن أن تتحول إلى شرارة. ففي 1975، فُتح الباب فجأة.
أما اليوم، الباب مفتوح لكن الجميع يتظاهر أنه مغلقا ولبنان لا يحتاج إلى حرب جديدة لأنه لم ينهِ حربه القديمة بعد و13 نيسان ليس تاريخاً يُستعاد بل إنذار لا يزال يُهمل اما السؤال الحقيقي، فليس متى تعود الحرب بل هل غادرت أصلاً؟ والحروب لا تبدأ فقط عندما تُرفع البنادق بل عندما يفقد الناس إيمانهم بأن هناك دولة واحدة تحميهم جميعاً في تلك اللحظة، لا يعود 13 نيسان ذكرى بل يصبح احتمالاً. في أيها اللبنانيون، كونوا على يقظةٍ عالية وتحلّوا بأقصى درجات المسؤولية، فلبنان يحتضر فهبوا لمعالجته لا لتحضير مراسم دفنه من جديد وتذكروا جيدا الحروب لا تُصنع فقط بالسلاح، بل تُصنع بالخوف والكراهية والصمت، وأحياناً بالتجاهل. والحرب لا تسقط من السماء بل تُبنى قطعة قطعة مثل باب ثقيل كل يوم يُدفع قليلاً حتى يأتي اليوم ويُفتح على مصراعيه دفعة واحدة.