أورور كرم

البابا وترامب... مقارنة لا تستقيم

3 دقائق للقراءة

سُئلت أخيرًا عمّا إذا كنت أقف إلى جانب البابا لاوون الرابع عشر أم إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السجال الدائر بينهما حول الحرب ضدّ إيران. لكن الحقيقة أن أصل السؤال نفسه ينطوي على مقاربة خاطئة، لأن المقارنة بين الرجلين لا تستقيم من الأساس.

فالبابا يقود الكنيسة الكاثوليكية، وهو مرجعية دينية وأخلاقية يلجأ إليها المؤمنون في الشأن الروحي والقيمي. أمّا رئيس الولايات المتحدة، فهو قائد القوة الأولى في العالم، يتخذ قراراته بناءً على اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية، وتنعكس سياساته على موازين القوى الدولية وعلى حياة مئات الملايين حول العالم. لا يمكن إذًا مطالبة رجل الدين بمنطق رجل الدولة، ولا محاسبة رجل الدولة بمعايير رجل الدين.

من الطبيعي أن يكون موقف البابا معاديًا للحروب. رسالته ترتكز على الدعوة إلى السلام والمحبة والأمان، وهذا هو الدور المنتظر منه. لكن المشكلة ليست في الدعوة إلى السلام بحدّ ذاتها، بل في اختزال المشهد من زاوية واحدة، وكأن إيران كانت تنشر السلام في المنطقة، وقرّر ترامب فجأة، ومن دون مقدمات، شنّ حرب عليها. هذه ليست قراءة دقيقة للواقع، بل سردية مضلّلة تتجاهل عقودًا من الوقائع.

فالصراع بين أميركا وإيران ليس وليد اللحظة، ولا هو قرار شخصي اتخذه ترامب في لحظة اندفاع. نحن أمام مواجهة ممتدة منذ 47 عامًا، أي منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وما تبعها من أزمة رهائن، وعداء ممنهج، وتمدّد إقليمي، وبرنامج نووي، ودعم واسع لميليشيات مسلحة في المنطقة.

ونحن في لبنان تحديدًا، نعرف جيّدًا أن إيران لم تكن يومًا مشروع سلام. لا يمكن لمن عاش تجربة العقود الماضية أن يتعامل مع طهران كضحية بريئة في هذا الصراع. إيران استباحت السيادة اللبنانية لسنوات، وزجّت لبنان في حروب لم تكن حروبه، وحوّلت أرضه إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. خيضت معارك من جنوب لبنان خدمة لأجندات إيرانية، ووصل كبار ضباطها إلى بيروت للإشراف على إعادة هيكلة البنى العسكرية لـ "حزب الله". لذلك، من حق اللبناني السيادي أن يرفض الحرب، لكن من حقه أيضًا أن يرفض تزوير أسبابها.

أمّا تصوير ترامب على أنه رئيس حروب، فهو أيضًا وصف غير دقيق. الرجل قال مرارًا إنه لا يحب الحروب، وقد بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على فكرة إنهاء النزاعات لا توسيعها. كما أن المجتمع الأميركي نفسه بات أكثر نفورًا من التدخلات العسكرية الخارجية، بعد تجارب أفغانستان والعراق. وبالتالي، سواء اتفقنا مع ترامب أو اختلفنا معه، فإن تصويره كمن أشعل حربًا بلا خلفية أو سياق، هو قراءة غير منصفة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن انتقادات البابا لترامب لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، ولا سيّما أن البابا أميركي الأصل ويتمتع بتأثير معنوي كبير داخل المجتمع الأميركي. وترامب، بطبيعته السياسية والشخصية، ليس من النوع الذي يترك انتقادًا بهذا الحجم من دون ردّ.

لكن الأهمّ أن هذا السجال ليس سابقة في التاريخ الأميركي. فقد شهدنا سابقًا توترات بين الباباوات وعدة رؤساء أميركيين، من بيل كلينتون إلى جورج بوش، ما يؤكد أن الخلاف بين السلطة الروحية والسلطة السياسية ليس جديدًا.

المسألة ليست اختيارًا بين البابا وترامب، بل هي فهم لاختلاف الأدوار. للبابا حق الدعوة إلى السلام، ولرئيس دولة عظمى حق النظر إلى التهديدات من زاوية الأمن القومي. أمّا نحن، فعلينا أن نرفض الحرب دائمًا، لكن من دون أن نقع في فخ السرديات الساذجة التي تبرّئ من أشعل المنطقة لعقود.