القطاع الخاص في قلب الاستجابة للأزمات في لبنان

4 دقائق للقراءة


نظرًا لظروف التصعيد التي طرأت على لبنان، اضطرّ أكثر من مليون شخص إلى مغادرة منازلهم بحثًا عن الأمان في مختلف المناطق اللبنانية الأخرى، ليتحوّل ما بدأ كتطوّر أمني إلى أزمة إنسانية وطنية، وضعت ضغطًا متزايدًا على المجتمعات المضيفة والبنى التحتية المحدودة أصلًا.

وفي وقت، باتت فيه المساعدات أقل قدرة على مواكبة حجم الاحتياجات مقارنةً بالأزمات السابقة التي مرّ بها لبنان، برزت الحاجة إلى مصادر دعم مكمّلة. وهنا، يتقدّم دور القطاع الخاص كإحدى الركائز التي غالبًا ما تعمل بعيدًا من الأضواء، لكنها تسهم في سدّ فجوات أساسية، لا سيما في مجالات حسّاسة كقطاع الطاقة والإمدادات الطبية والخدمات اللوجستية.

ففي بلد يعاني أصلًا من هشاشة في قطاع الكهرباء، تكتسب القدرة على تأمين الطاقة أهمية خاصة، سواء لتشغيل مراكز الإيواء أو لدعم عمل الفرق الطبية والجمعيات الإغاثية. وفي هذا الإطار، ساهمت جهات عاملة في قطاع الطاقة في تلبية بعض هذه الاحتياجات، من بينها شركة "توتال للطاقات" في لبنان التي تعمل على تأمين 15000 ليتر من المازوت لثلاثة أشهر لمركز إيواء تابع لجمعية "فرح العطاء" في الكرنتينا، بهدف ضمان استمرارية تشغيل المركز الذي يقيم فيه أكثر من 1000 شخص. كما تسعى الشركة إلى دعم حلول الإنارة المستدامة من خلال توفير 600 مصباح تعمل بالطاقة الشمسية، تم دمجها ضمن حزم المساعدات الطارئة التي وُزعت على العائلات النازحة من قبل "أكتد لبنان" في مراكز إيواء في الجنوب والنبطيّة وجبل لبنان.

بالتوازي، تتكامل هذه الجهود مع استجابة ميدانية تقودها مؤسسات صحية وإنسانية، حيث تواصل فرق الإسعاف التابعة للصليب الأحمر اللبناني أداء مهامها الطارئة. وفي المقابل، تتكاثر المبادرات التي تركّز على توفير الرعاية الصحية للعائلات النازحة من قبل مؤسسات صحية أو منظمات غير حكومية، ومن بينها "مؤسسة الفرح الاجتماعية" التي تنفذ حملات طبية عبر عيادات متنقلة تقدّم الخدمات في عدد من مراكز الإيواء في الشوف ومناطق أخرى، من معاينات مجانية إلى توفير الأدوية. وتترافق هذه الجهود الصحية مع دعم غذائي موازٍ، إذ تقوم أيضا بتوزيع مساعدات غذائية على النازحين، وقد تلقت 1,500 حصة غذائية من "توتال للطاقات" في لبنان، جرى توزيعها على العائلات داخل مراكز الإيواء وهي كفيلة لتحضير ما يعادل 112,500 وجبة موزعة على 1,500 عائلة.

هذه المؤسسة كما غيرها من المنظمات المحلية، عملت منذ بداية التصعيد على توفير المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية، في حين تعمل الوكالات الدولية على توسيع نطاق استجابتها لدعم أكثر من 1.5 مليون شخص من الفئات الأكثر ضعفًا.

وفي هذا السياق، تتواصل جهود المساعدات الدولية، ويشمل أبرزها تخصيص 15 مليون دولار من الصندوق المركزي للاستجابة لحالات الطوارئ التابع للأمم المتحدة لتوسيع نطاق المساعدات المنقذة للحياة، إضافة إلى أكثر من 5 ملايين دولار كتمويل جديد للغذاء والمساعدات، وذلك بحسب ما اعلنته الأمم المتحدة في آذار الماضي. هذه الأرقام مرشحة للارتفاع، غير أن حجم هذه التعهدات حتى الآن لا يزال أدنى من مستوى المساعدات المسجّلة في عام 2023، حين تلقى لبنان أكثر من 935 مليون دولار من المساعدات الخارجية، بحسب تقرير تتبّع المساعدات في لبنان لعام 2023 الصادر عن الأمم المتحدة.

وبالتالي فإن الدور الذي يلعبه القطاع الخاص بكل مكوناته، رغم أنه لا يتصدر العناوين، إلّا أنه يعالج تحديًا جوهريًا يرتبط مباشرة بقدرة الجهات المعنية على الاستجابة بفعالية والاستمرار في أداء مهامها. هذا الدور ليس جديدًا على هذا القطاع في لبنان، الذي شارك في جهود الإغاثة خلال أزمات سابقة، عاكسًا مستوى متقدمًا من المسؤولية تجاه المجتمع. فعقب انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، مثلًا، برزت مبادرات شملت دعم المستشفيات والقطاع الصحي وتقديم مساعدات إنسانية مباشرة، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة تأهيل المنازل المتضررة.

كما ساهمت شركات مختلفة في هذه الجهود، من بينها شركة "توتال للطاقات" في لبنان التي دعمت منظمة "Solidarity" لإعادة تأهيل 168 شقة متضررة، فضلًا عن توزيعها أكثر من 750 ألف ليتر من المازوت على أربعة مستشفيات عقب الانفجار.

اليوم، تتزايد صعوبة تلبية الاحتياجات الإنسانية التي تتفاقم بشكل ملحوظ، ما يبطئ وتيرة الاستجابة ويضع المنظمات غير الحكومية أمام تحديات كبيرة في الاستمرار وتأمين الخدمات بكفاءة وانتظام. وفي هذا السياق، لا تقتصر الأزمة على بعدها الإنساني المباشر، بل تكشف أيضًا حجم الاعتماد المتزايد على أطراف خارج الإطار الإنساني التقليدي، وفي مقدّمها القطاع الخاص، الذي بات يشكّل عنصرًا أساسيًا في دعم منظومة الاستجابة واستمراريتها.