أمجد اسكندر

تساؤلات بشأن الموقف من التفاوض وما يلي

3 دقائق للقراءة

"اتفاق الهدنة" عام 1949 هو الاتفاق الوحيد الذي أبرمه لبنان من دون تدخل خارجيّ في قراراته السياديّة. هذا الاتفاق حفظ حدود لبنان الجنوبية من أيّ احتلال. كلّ الاتفاقات والتفاهمات منذ نهاية الخمسينات بما يتعلّق بالجنوب أقدم عليها لبنان تحت ضغط مصالح الغير، ولم تنجح بما نجح به "اتفاق الهدنة". يختصر السبب بمقولة شهيرة وهي أن المقاومات تنشأ بسبب الاحتلال إلّا في لبنان حيث نخترع مقاومة وهذه المقاومة تستجلب الاحتلال. جاءت المقاومة الفلسطينية وليست للبنان قرية محتلّة، وبسببها حصل اجتياحان عامي 1978 و 1982. مذكرة التفاهم التي حصلت بين لبنان وإسرائيل الأسبوع المنصرم، أقدم عليها القرار اللبناني المتحرّر من قبضة إيران، وكان من المؤكد أن فصيل "الحرس الثوري" سيرفضها. وعلى أهميّتها التاريخية يجب الانتباه إلى المسائل الآتية:

- التفاوض المباشر المتوقع وباستثناء دعم رئيس الحكومة نواف سلام وترحيب القوى السيادية، يُسجّل لوزراء الرئيس جوزاف عون والشخصيات التي تحسب نفسها عليه، وعلى عدد آخر من الوزراء، باستثناء الممثلين لـ "القوات اللبنانية" و "الكتائب"، اندفاعة خجولة في الدعم والتحليل والشرح لموقفه الجريء. والصورة الظاهرة كأن هناك شخصين فقط هما عون وسلام مقتنعان بضرورة التفاوض المباشر مع إسرائيل، ولكن في السياسة القناعة ليست كنزًا لا يفنى. وليس من الحكمة أن تترك الساحة السياسية والإعلامية لجماعة إيران، لأن هذا "الكسل" الرسميّ قد يفسّر بأن التقليل بالأقوال يستتبع تقصيرًا في الأفعال المطلوبة خلال عشرة أيام بدأت تتقلّص.

- خطاب عون الجمعة كانت فيه نبرة عزم وثقة، ومواقف سلام قديمها وجديدها دائمًا على مستوى المرحلة، ولكن الغوص في تفنيد التفاهم بندًا بندًا ضروريّ وملحّ لنعرف ونتأكد أن القراءة للتفاهم واحدة لبنانيًا، ومنسجمة أو متفق عليها مع الطرف الأميركي، فلا نجلس غدًا إلى طاولة التفاوض وقد فهمنا بعض البنود على غير معناها. وكأن يُقال لاحقًا نحن وافقنا على ما يتعلّق بالمذكرة بنا وإسرائيل وافقت على ما يتعلّق بها، بمعنى أن المذكرة ليست نصًّا واحدًا ملزمًا لأطرافه الثلاثة لبنان وأميركا وإسرائيل. ولا تتضمّن خطوات متتابعة ملزمة للطرفين. وفي مسألة اتخاذ إجراءات على الأرض لنزع السلاح، هل لا تزال عالقة في أحجية "البيضة قبل الدجاجة أم العكس"؟ وهل هناك من قرأ بأن خروج إسرائيل شرط للبدء بنزع السلاح؟ 

- التفاهم أسقط كلّ ما قبله: اتفاق الهدنة، واتفاق تشرين الثاني 2024 والقرار 1701، وهو القاعدة لجدول أعمال أو خريطة طريق جديدة هدفها النهائي "اتفاق سلام دائم بين البلدين"، وبالتالي الكلام على العودة إلى "اتفاق الهدنة" لم يرد في التفاهم، كذلك لم ترد عبارات عن جنوب الليطاني ولا عبارات عن "المظاهر المسلّحة". وكلّ إدخال لهذه العبارات سيكون ثمنها وبالًا علينا، لأنه سينقل الولايات المتحدة من "الراعي" و "الوسيط" إلى ما لا يحتمله لبنان، ويجب التذكير بأن الرئيس ترامب أعلن أنه كلَّف نائبه جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس الأركان دان كين، بالعمل "مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي للتوصّل إلى سلام دائم". ومن الواضح أن "اللعب" مع ترامب دونه مخاطر.