وُري جثمان غزال مولان، وهي مقاتلة بيشمركة تبلغ من العمر 19 عامًا ومن مدينة مهاباد ومعارضة للجمهورية الإسلامية، إلى الثرى يوم الخميس بعد الظهر في السليمانية بإقليم كردستان، وسط أجواء من الحزن العميق، في وقت تواصلت فيه ضربات الطائرات المسيّرة والصواريخ التابعة للحرس الثوري الإيراني في أنحاء المنطقة.
أُصيبت غزال بجروح خطيرة مساء الثلاثاء في غارة بطائرة مسيّرة نفذتها الجمهورية الإسلامية واستهدفت مجمعًا سكنيًا يضم عائلات من أعضاء حزب “كوملة زحمتكشان” الكردي الإيراني في سورداش.
ونُقلت في البداية إلى مستشفى شورش من قبل رفاقها المقاتلين، إلا أنه وبسبب نقص الموارد الطبية، جرى نقلها إلى مستشفى بخشين. غير أن إدارة المستشفى، خشية التداعيات المترتبة على علاج مقاتلة بيشمركة كردية معارضة للجمهورية الإسلامية، رفضت استقبالها.
وقالت شكيلة مهديبناه، وهي ناشطة مدنية وعضو في "كوملة زحمتكشان" في سورداش وكانت برفقة غزال، لـ"ذا ميديا لاين"، إنه رغم تدهور حالتها ونزيفها الحاد، امتنع طاقم مستشفى بخشين عن استقبالها لمدة 45 دقيقة رغم المناشدات المتكررة.
وأضافت، "لم يكن أمامنا خيار سوى نقلها إلى مكان آخر. أخذناها في النهاية إلى المركز الطبي فاروق، لكن كان الأوان قد فات. قال الأطباء إنه لم يعد بالإمكان إنقاذها". وتوفيت غزال عن عمر 19 عامًا.
ولم تنتهِ المأساة عند هذا الحد، إذ أفيد بأن العاملين في المشرحة رفضوا أيضًا استلام جثمانها المضرّج بالدماء بسبب انتمائها كمقاتلة بيشمركة يسارية. واضطر رفاقها إلى تجهيز الجثمان بأنفسهم داخل مكتبة في السليمانية، حيث ودّعها زوجها.
حتى بعد الوفاة، استمرت المعاناة، إذ شنّ الحرس الثوري الإيراني صباح الخميس غارة صاروخية على مقبرة البيشمركة في محاولة لاستهداف مزيد من عناصر المعارضة، كثير منهم من المدنيين. ونتيجة لذلك، دُفنت غزال في مقبرة السليمانية ضمن مراسم محدودة.
وتعكس هذه المأساة، بحسب الناشطة الكردية في مجال حقوق الإنسان رادا فاتحي، طريقة تعامل الجمهورية الإسلامية مع المعارضين الأكراد. وقالت فاتحي، التي اعتُقل شقيقها رامين خلال احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” في سنندج وتوفي لاحقًا تحت التعذيب، لـ"ذا ميديا لاين" إن قرار غزال حمل السلاح يعكس شجاعة استثنائية.
وأضافت: “شابة تختار مواجهة عدوها وترك بلدها تمثل شجاعة استثنائية. بينما يعيش أقرانها في أماكن أخرى براحة، فقدت حياتها من أجل هذا النضال”.
وكانت غزال مولان قد غادرت إيران في سن الثامنة عشرة وانضمت إلى قوات البيشمركة التابعة لكوملة زحمتكشان، إحدى مجموعات المعارضة الكردية التي توحدت مؤخرًا مع أحزاب رئيسية أخرى ضد الجمهورية الإسلامية.
وأشارت فاتحي إلى أنه رغم غياب احتجاجات واسعة في كردستان إيران حاليًا، فإن "الناس في كردستان وفي إيران عمومًا سيواجهون في نهاية المطاف الجمهورية الإسلامية بسبب جرائمها، بما في ذلك الهجمات على الأحزاب الكردية". واعتبرت أن ضربات الحرس الثوري استهدفت مناطق سكنية مدنية، ووصفتها بأنها جرائم حرب.
وأضافت أن الجمهورية الإسلامية استهدفت خلال انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022 قواعد الأحزاب الكردية بصواريخ مماثلة، إدراكًا للارتباط العميق بين المجتمع الكردي والحركات السياسية، مؤكدة أن "لا شعب كردستان ولا الإيرانيين في الداخل والخارج سيبقون صامتين".
وقال مسلم، أحد رفاق غزال، لـ"ذا ميديا لاين" إنها كانت ناشطة بارزة في احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، واضطرت إلى مغادرة إيران بعد وضعها تحت المراقبة.
وأضاف، "عندما أُصيبت، رفض المستشفى علاجها. حتى أن أحد المستشفيات رفض استقبالها لأنها كانت مقاتلة بيشمركة يسارية. اضطررنا لنقلها لمسافات طويلة. غزال، التي كانت لطيفة ومحبوبة، أصبحت ضحية للنظام الإسلامي وحلفائه".
ومنذ بدء الحرب، شنّت الجمهورية الإسلامية ما يقارب 650 غارة بطائرات مسيّرة وصواريخ ضد قواعد المعارضة الكردية ومناطق سكنية في إقليم كردستان، تركز معظمها في أربيل، وأكثر من 100 حادثة في السليمانية وحدها. ونُسب بعض هذه الهجمات إلى ميليشيات مدعومة من إيران، من بينها "كتائب حزب الله" التابعة لقوات الحشد الشعبي، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وأدانت حكومة إقليم كردستان هذه الهجمات واعتبرتها انتهاكًا لسيادتها ولسيادة العراق، إلا أن الضربات استمرت حتى ليلة الخميس، بما في ذلك هجوم جديد على قاعدة تابعة لكوملة.
وقال الرئيس العراقي الجديد نزار أميدي إن بلاده لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة صراع بين إيران والولايات المتحدة، في حين يُتوقع أن تواصل بغداد سياسة التهدئة تجاه طهران، التي تمارس نفوذًا واسعًا عبر الميليشيات.
وقال عمر إلخانيزاده، نائب الأمين العام لكوملة، لـ"ذا ميديا لاين" إن الجمهورية الإسلامية كثفت تاريخيًا هجماتها على كردستان كلما تصاعدت الاضطرابات الداخلية.
وأضاف، "منذ 47 عامًا، اعتمدت الجمهورية الإسلامية على العسكرة والاعتقالات الجماعية والإعدامات ضد الشعب الكردي".
وأوضح أن طهران تبنّت بعد حركة "المرأة، الحياة، الحرية" نهجًا أكثر عدائية تجاه كردستان، معتبرًا أن القوات الكردية تمثل جزءًا من أي بديل محتمل للنظام، ما يجعلها هدفًا دائمًا له.
وشدد على أن المجتمع الكردي مرتبط بحركاته السياسية ويدعم أشكال المقاومة المدنية، بما في ذلك الإضرابات، قائلاً: "كردستان هي إحدى القلاع الرئيسية للمقاومة في النضال القادم".
وردًا على مزاعم بشأن خطط لنقل أسلحة إلى المحتجين الإيرانيين عبر مجموعات كردية، قال إلخانيزاده إنه لا علم له بأي مناقشات من هذا النوع، مضيفًا أن الأحزاب الكردية سترحب بأي دعم أميركي غير مشروط، معتبرًا أن الجمهورية الإسلامية هي مصدر عدم الاستقرار في المنطقة.
كما وصف التحركات الإسرائيلية عقب هجمات 7 أكتوبر التي نفذتها حماس والجهاد الإسلامي بأنها دفاعية.
ومع تصاعد الحملة الأمنية الإيرانية في كردستان واعتقال عشرات الأشخاص، يحذّر محللون من أن النظام، رغم ضعفه، بات قلقًا من "الورقة الكردية" وإمكانية اندلاع انتفاضة جديدة قد تمتد إلى مكونات أخرى داخل إيران، ما قد يحول الاحتجاجات إلى تحدٍ واسع للسلطة المركزية.





