رحّب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بالوفود المشاركة في قداس الأحد، لا سيما الآتية من بلدات الجنوب اللبناني، والتي ضمّت كهنة ورؤساء بلديات ومخاتير، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات اجتماعية وإنسانية، من بينها رابطة كاريتاس لبنان، ومؤسسة L’Œuvre d’Orient، والرابطة المارونية، والمؤسسة المارونية للانتشار، والمؤسسة البطريركية للإنماء الشامل، والبعثة البابوية، وجمعية مار منصور دو بول، ومجلس الجنوب، وSolidarity، ومطبخ مريم، إضافة إلى داعمين مادياً.
وأشاد الراعي بمشاركة ممثلين عن 63 بلدة، مؤكداً الصلاة من أجل راحة نفوس الضحايا، وشفاء الجرحى، وتعزية ذويهم.
كما دعا إلى أن تتحوّل هدنة وقف إطلاق النار الممتدة لعشرة أيام إلى وقف دائم للحرب، وإلى إحلال سلام شامل وعادل. وشدّد على ضرورة تحقيق ذلك من خلال حوار جدي ومجرّد ومفاوضات دبلوماسية، بما يخدم مصلحة لبنان وجميع اللبنانيين.
وأكد الراعي أهمية أن يتم ذلك تحت مظلة الدولة اللبنانية حصراً، مع حماية سيادتها واستعادتها على كامل أراضيها، وتوحيد السلاح بيدها.
وجاء في عظة الراعي:
"أما كان قلبنا متّقدًا فينا حان كان يكلّمنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟"
(لو 24: 32)
إنجيل مسيرة الرب يسوع القائم من الموت مع التلميذين المصدومين من صلبه، والعائدين من أورشليم إلى قريتهما عمّاوس، على بعد أحد عشر كيلومتراً، ما هو إلا الاحتفال بالفداس الأول في أحد قيامته.
يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصة بالوفود الآتية من بلدات الجنوب اللبناني، وعلى رأسها كهنة ورؤساء بلديات ومخاتير، إلى جانب مؤسسات اجتماعية من مثل رابطة كاريتاس لبنان، ومؤسسة L’Œuvre d’Orient، والرابطة المارونية، والمؤسسة المارونية للانتشار، والمؤسسة البطريركية للإنماء الشامل، والبعثة البابوية، وجمعية مار منصور دو بول، ومجلس الجنوب، وsolidarity، ومطبخ مريم، إلى جانب أشخاص داعمين مادياً. جميعهم مشكورون من كل القلب.
فأحيّي البلدات الثلاث والستين المتمثلة بيننا للصلاة من أجل راحة نفوس الضحايا، وشفاء الجرحى، وعزاء أهلهم.
ونصلّي كي يحوّل الله هدنة وقف إطلاق النار من عشرة أيام إلى إيقاف الحرب وإلى إحلال سلام دائم وشامل وعادل، يتمّ بالحوار الجدّي المتجرّد، وبالمفاوضات الدبلوماسية، لخير لبنان واللبنانيين جميعاً، تحت لواء الدولة وحدها، وبحماية واستعادة سيادتها على كامل أراضيها، وبوحدة سلاحها.
إنجيل تلميذَي عمّاوس هو إنجيل الطريق، طريق الإنسان حين يظن أن كل شيء انتهى، فإذا بالله يكشف له أن ما اعتبره نهاية، هو في الحقيقة بداية جديدة. كان التلميذان من بين الرسل الإثنين والسبعين، يسيران عائدين من أورشليم بعد موت يسوع، يحملان خيبة كبيرة، وكأن الرجاء قد انطفأ في قلبيهما مع الصليب. مسافة طويلة قطعاها على الأقدام، يتحادثان، ويتساءلان، ويتألمان، وكأنهما يعيدان قراءة ما حدث دون أن يفهما معناه.
في هذا الطريق بالذات، اقترب منهما يسوع وسار معهما، دون أن يعرفاه. هذا المشهد بحد ذاته يحمل رسالة عميقة: المسيح حاضر حتى عندما لا نراه، موجود حتى عندما لا ندركه، يرافق الإنسان في ضعفه، في حيرته، في انكساره. سألهما عمّا يتحادثان، فعبّرا له عن خيبتهما، عن الرجاء الذي خاب، وعن الحلم الذي ظنّاه قد انتهى.
هو الإنسان، وهي الجماعة، وهي الكنيسة، تحمل همها وتطلعاتها ومشاكلها. أمّا الرب يسوع فأسّس للإنسان وللكنيسة سر الإفخارستيا، ليكون معه ومعها "حتى نهاية العالم" (متى 28: 20)، بأقسام هذا السر الثلاثة: قسم الكلمة، وقسم الذبيحة والمناولة، وقسم الرسالة.
فقسم الكلمة في سر الإفخارستيا، أي القداس الإلهي أو الليتورجيا الإلهية، يحمل عبادة المؤمن والجماعة معبّراً عن همومه وآماله وإقراره بخطاياه وتوبته. هذا مضمون صلاة الحسّاية وما يسبقها وما يليها. في هذه الحالة نحن نؤمن أنّ الله حاضر معنا ويكلمنا ويسمعنا، مثلما فعل يسوع مع التلميذين.
في الطريق، اقترب منهما يسوع وسار معهما، لكن بعد أن استمع لهما، بدأ يشرح لهما الكتب، ويُريهما أن ما حدث لم يكن نهاية، بل تحقيق لما قاله الأنبياء: أن المسيح كان عليه أن يتألم ويموت ثم يقوم.
هذا يجري في قسم الكلمة عندما نسمع كلام الرب في الرسالة والإنجيل، وفي العظة التي توصل إلى قلب المؤمن والجماعة تفسير مضمون هذا الكلام الإلهي.
في قسم الذبيحة والمناولة، عندما جلس يسوع معهما إلى المائدة، قام بأربعة أفعال ما زال يردّدها اليوم كهنة العهد الجديد: "أخذ الخبز وبارك، وكسر، وأعطاهما". فانفتحت أعينهما وعرفاه. فغاب عنهما. هذا هو قلب القداس: الذبيحة والمناولة. هنا يتحوّل السماع إلى حضور، والكلمة إلى لقاء حي مع المسيح. عندما نتناول جسده، لا نأخذه مجرد رمز، بل نأخذ قوة حقيقية: قوة جسدية وقوة روحية، قوة تُسندنا في تعبنا، وترافقنا في قلقنا، وتثبتنا في الرجاء.
المسيح حاضر في هذا السر، حاضر عندما تضيق الطرق، حاضر في الحيرة والانتظار،
حاضر في كل قلب يبحث عنه. وكما عرفه التلميذان عند "كسر الخبز"، هكذا يُعطى لنا أن نعرفه في كل مناولة، في كل لقاء صادق معه.
أمّا قسم الرسالة فيذكّرنا بأن المسيحية هي رسالة تشهد للمسيح الحاضر معنا والفاعل أبداً في النفوس بفعل الروح القدس. فنبدأ الرسالة في العائلة والمجتمع والدولة، وهي شهادة في حياتنا لمحبة المسيح لجميع الناس.
فبعد أن عرف التلميذان يسوع، لم يبقيا في مكانهما، بل عادا على فور إلى أورشليم، سائرَين مجدداً الأحد عشر كيلومتراً، وفي الظلام.
فالقداس لا يُختتم عند المذبح، بل يبدأ في الحياة اليومية. الرسالة هي أن يحمل الإنسان ما اختبره من ثقافة القربان، وأن ينقل النور الذي ناله، وأن يشهد للرجاء الذي امتلأ به. فكما عاد التلميذان ليعلنا القيامة، هكذا يُدعى كل مؤمن ومؤمنة أن يكون شاهدًا، وأن يحمل الإيمان إلى العالم، وأن يزرع الرجاء حيثما يوجد تعب أو انكسار.
وأنتم، يا أهل الجنوب، الاحباء أنتم في قلب الكنيسة، في قلب الوطن، في قلب الضمير، أكنتم مهجّرين أم صامدين في قراكم ، كما عبّر فخامة رئيس الجمهورية في كلمته أول من أمس.
في قراكم، أنتم سياج هذا الوطن، أنتم الذين، رغم كل شيء، لا تزالون ثابتين. أنتم لستم فقط ضحايا، بل أنتم شهود. شهود على الصمود، شهود على الإيمان، شهود على أن الإنسان يستطيع أن يبقى واقفًا رغم الألم. وأنتم أيضًا، من بقي محاصرًا في قريته، ومن ينتظر، ومن يعيش القلق، له الحق أن تُؤمَّن له حاجاته، أن يُصان وجوده، أن تُمدّ إليه يد المساعدة، وفق ما يفرضه الواجب والحق والقانون الدولي.
كما عبّر تلميذا عمّاوس عن أوجاعهما، أنتم اليوم تعبّرون عن وجع شعبكم ووجعكم انتم. والمسيح يسمعكم، ويخاطبكم، ويشرح لكم ما يحدث. ووسط كل هذا، نقول بوضوح: إن هذه الحرب المفروضة، هي مرفوضة من الشعب، ومرفوضة من الدولة، ومرفوضة من كل ضمير حي. ونؤمن أن الطريق ليس في العنف، بل في الكلمة، ليس في القوة، بل في الحوار. السلام لا يُفرض، بل يُبنى. وأنتم اليوم، في صمودكم، وفي شهادتكم، تشاركون في بناء هذا السلام. فالسلام في الجنوب شرط للسلام في لبنان كله.
فنصلّي معكم من أجل نهاية هذه الحرب البغيضة، وإحلال سلام عادل وشامل ودائم بنجاح المفاوضات الجارية، رافعين المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".