تنتهي الحرب - أيّ حرب - في الميدان، أو عبر المفاوضات. كيف يتخيّل شيعة الممانعة نهاية مسار العنف في جنوب لبنان المستمرّ رغم الهدنة؟ ميدانيًّا، هزيمتهم العسكريّة فضائحيّة تحديدًا لأنها أتت بعد عقدين من مزاعم تحرير الجليل، وإزالة "الكيان". الزجليّات التي تسعى لتصوير الهزيمة كانتصار كلام فارغ. فكّر مثلًا بهذيان أحد الممانعين على تويتر بأن "ولم تسقط بنت جبيل" قبل ساعات فقط من تفجير الإسرائيليّين وسط المدينة بمشهد أوحى كأنهم أعدموها. يعلم أيّ مواطن عاديّ ما ظهّرته الحرب لجهة أن القدرة على الخرق الأمني، والسيطرة على الجوّ، والعدد، والعتاد، وتكنولوجيا الحرب، كلّها لصالح الجيش الإسرائيليّ. يعلم أيّ عاقل أيضًا أن سرديّات "تسطير البطولات" في الجنوب خرافة. أعداد قتلى الميليشيا تفوق أعداد قتلى الإسرائيليّين لدرجة تفضح مزاعم الأداء القتالي الاستثنائي. وللتذكير: زعم الإعلام الممانع قبل أسابيع أن الميليشيا لقّنت الإسرائيليّين درسًا بمعركة النبي شيت في البقاع، قبل أن يظهر لاحقًا أن العكس تمامًا صحيح. لا شيء في الإرباك الواضح، والكذب، وإخفاء المعلومات، يشي بأداء ميداني بارع في الجنوب بل تفضح كلّ المؤشرات نكبة يحاول من ورّط نفسه بها إخفاءها. ثمّ إن الجيش الإسرائيلي كرّس شريطًا أصفر على الحدود سيبقى تحت سيطرته المباشرة حتى إشعار آخر. هذا الجيش ينسف ما يريد نسفه جنوبًا، ويصطاد من يريد. لا يوجد أيّ أفق عسكري أمام الميليشيا الشيعيّة وخسائرها تزداد - وستزداد أكثر - حتى الوصول إلى سلام مع إسرائيل.
مع ذلك، لا تريد الميليشيا المفاوضات مع إسرائيل، بل تخوّن الحكم اللبناني لأنه معها. في ما مضى، اختار الرئيس المصري أنور السادات التفاوض، فاسترجع سيناء. واختار حافظ الأسد "الممانعة"، فخسرت سوريا الجولان. لاحقًا طبعًا، تورّطت حماس بعمليّة 7 أكتوبر، والتبعات على غزّة واضحة للعيان. لم ينتصر الأسد ولا حماس بالميدان البارحة، ولا تستطيع الميليشيا الشيعيّة أن تنتصر بالميدان اليوم أو غدًا. ومع ذلك، هي تلوّح للحكم اللبناني عبر نوّاف الموسوي بمصير السادات لأنها لا تريد التفاوض. ماذا تريد إذًا؟
الجواب عمليًّا: المزيد من خراب لبنان. القضاء على ما تبقى من عافية. موت المزيد من أطفال بلادنا. الحرب من أجل الحرب. بكلمات: الانتحار. العدميّة. العبث. إقفال العقل.
هل تفسّر أوامر ملالي طهران إصرار الميليشيا الشيعيّة على قتال تخسره كلّ يوم أكثر؟ أكيد. ولكنّ تعليقات الناشطين الشيعة على مواقع التواصل، ومقالاتهم، والهتافات بتظاهراتهم، واستسهال نوّاف الموسوي التلويح بمصير السادات، والجوّ العام الصادر عن البيئة الكريمة لا يمكن اختصارها بتعليمات طهران. وعي البيئة يحرّكه تلاقح أيديولوجيا دينيّة أصوليّة لا تخطئها عين، وبروباغاندا سياسيّة لا حدود لكذبها، وتطرّف طائفي غير مسبوق بتاريخ لبنان مع أن تاريخنا ليس غريبًا على تطرّف الجماعات وجنونها. كلّ هذا خلق حالة نفسيّة لن تخرج بأيّ وقت قريب من هذيانها وتتصالح مع الواقع حولها لأنها مفصولة ذهنيًّا عنه بشكل حادّ. العدميّون، بالحقيقة، خسروا كلّ معاركهم مع إسرائيل؛ ولكنهم ربحوا بالمقابل حربًا على العقل الشيعي مستمرّة منذ عاد الخميني من منفاه الباريسي إلى إيران عام 1979. من يظنّ أن التبعات الذهنيّة لهذا النوع من "الانتصارات" ستختفي بأيّ وقت قريب مخطئ.