قبل أن يكتشف جنوبيو لبنان أن قراهم المتاخمة للحدود مع إسرائيل لم تعد صالحة للعيش، ويعودوا أدراجهم منها بعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على تدفقهم إليها إثر إعلان الهدنة ليل الاربعاء – الخميس، سبقهم أهالي بلدة سحمر في البقاع الغربي في اختبار هذه الحقيقة القاسية خلال ساعتين فقط.
لا تقع سحمر جغرافيًا ضمن الشريط الحدودي المواجه لإسرائيل. بل تبعد مسافة لا تقل عن 30 كيلومترًا عن النبطية و25 كيلومترًا عن جزين.
كان يفترض بهذه المسافة أن تشكل ضمانة كافية تجنب البلدة حجم الدمار الذي شهدته مناطق الجنوب المتاخمة للحدود، على مدى جولتي الحرب المستمرتين منذ العام 2023. ولكن هذا لم يكن واقع حال سحمر، لا في جولة الحرب الأولى ولا في الثانية.
فمنذ تجدّد موجة العنف في لبنان عقب انخراط "حزب الله" مجددًا في حرب إسناد جديدة لمحوره الإيراني مطلع شهر آذار الماضي، بدا واضحًا أن سحمر أُدرجت من ضمن بنك الأهداف المباشرة التي حدّدتها إسرائيل، وعملت على استهدافها على مختلف الأراضي اللبنانية.
لم يكن ذلك مفاجئًا بالنسبة لأهالي سحمر. فبلدة الشهداء كما يحلو لأبنائها أن يعرّفوا عن أنفسهم، كانت عرضة لغارات اتسمت بطابع تصاعدي منذ جولة الحرب الأولى التي بدأت في العام 2023. وقد اكتشفت باكرًا، وخصوصًا بعدما قتلت إسرائيل رئيس بلديتها السابق بغارة مباشرة، أنها ليست في هذه المعركة موقعًا خلفيًا، وإنما هي جزء من خطّها الأساسي.
ضريبة الموقع والموقف
مع أن سحمر لم تكن الوحيدة على لائحة الغارات الإسرائيلية في منطقة البقاع الغربي، فقد شمل بنك هذه الأهداف أيضًا "قليا" و "مشغرة" و "يحمر"، إلا أنها خرجت من الحرب الأكثر تضررًا بين جاراتها.
فمع توسع العمليات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية، استهدفت إسرائيل دور سحمر كعقدة وصل بين الجنوب والبقاع، فشلّت وظائفها الحيوية، لتجد نفسها، رغم بعدها عن الحدود، تتشارك مع جنوب لبنان نكبة الدمار كما النزوح.
إذًا، تقاسمت سحمر مع جنوب لبنان طيلة الفترة الماضية عدد الغارات. أما خلفيات استهدافها، فكتبت في الرسالة النارية التي وجهتها إسرائيل من خلال غاراتها على الجسرين اللذين يربطان سحمر بالجنوب، قبل أيام من الدخول في تطبيق اتفاقية الهدنة.
رسالة هدم الجسرَين
الأبرز بين هذين الجسرين هو الذي بني العام 2010 فوق مجرى نهر الليطاني، ويختزل بحسب رئيس بلدية سحمر مسافة لا تقل عن 13 كيلومترًا نحو قضاءي النبطية وجزين في الجنوب.
سمع أهالي سحمر باستهداف هذا الجسر في 4 نيسان الجاري بعد يوم من الإنذار الذي تلقوه بضرورة إخلاء بلدتهم. وفي اليوم التالي امتثلوا لتعليمات بلديتها بعدم التوجه إلى الجسر، بسبب القلق من إمكانية الإغارة عليه مجددًَا.
أما المفاجأة لدى عودتهم التفقدية إلى المكان مع بدء هدنة العشرة أيام، فكانت أن هذا الشريان ليس الوحيد الذي قطعته إسرائيل ببلدتهم، بل استهدفت على مقربة منه جسرًا تاريخيًا كان يستخدم منذ خمسينات القرن الماضي كمعبر مشابه للجسر المستحدث، وإلى جانبه محت إسرائيل معالم مطحنة تراثية حافظ عليها الأهالي لسنوات طويلة.
تذرعت إسرائيل أن هذا الجسر يستخدم في نقل التعزيزات والوسائل القتالية. وهو ما لم يعترض عليه أي صوت في بيئة "حزب الله" الخصبة بسحمر. وعليه قامت إسرائيل غارة على الجسر في إطار عمل استباقي لأي دور محتمل له في تأمين الإمدادات اللوجستية لمقاتلي "حزب الله" في الجنوب، أو ربما تكون قد عاقبته على مثل هذا الدور.
وهكذا إذا انعزل البقاع جغرافيًا عن الجنوب من طرف سحمر، يصبح الانتقال إليه أصعب ضمن البيئة الواحدة، سواء بالنسبة لـ "حزب الله" وإمداداته، أو حتى بالنسبة لأهالي الجنوب، الذين اضطروا لسلوك مسارات أطول عند انتقالهم إلى بلداتهم في النبطية وجزين عشية إعلان الهدنة.
مفتاح وذكرى وشهيد
لجأ نازحو سحمر في المقابل إلى أحضان شريطي البقاع الممتدين بين قب الياس ومشغرة، وجب جنين - القرعون. وبعد أن عاشوا طيلة أربعين يومًا في جهل لتداعيات الأضرار التي خلفتها الغارات المتكررة على بلدتهم، وحجمها، عادوا مع بداية هدنة الأيام العشرة، ليكتشفوا أنهم أمام بلدة منكوبة.
فودّع البعض منزلًا لم يبق منه سوى مفتاحه، وحاول آخرون نبش شيء من ذكرياتهم فيه. بينما اقتصر تردد غيرهم إلى البلدة على زيارة مقابر أبناء لهم أو أقرباء، دفنوا تحت تراب هذه المنازل. قلة فقط عادت بنيّة البقاء، ولكنها خابت بعدما اكتشفت أن الضربات الإسرائيلية في سحمر طالت فيها "شروط الحياة" نفسها ومقوماتها.
فإلى جانب انهيار الوحدات السكنية والمؤسسات التي قد لا يسهل إحصاؤها في فترة قصيرة، طال القصف في سحمر بنيتها الأساسية مباشرة أيضًا. فأغلقت شبكة طرقاتها بردم المباني والبيوت التي انهارت كما هي وخصوصًا في الأحياء الشعبية، كما انهارت شبكة الكهرباء والانارة، وتضررت شبكة المياه كما أقنية الصرف الصحي.
وفقًا لتقديرات بلدية سحمر، تجاوز حجم الأضرار فيها هذه المرة ما خلفته الجولة السابقة، حين قدرت بنحو 200 وحدة سكنية، إلى جانب اختفاء أثر 90 وحدة أخرى.
إلى أحضان الشرعية الحامية مجددًا
ووفقًا لرئيس البلدية محمد الخشن فمن بين أكثر من 400 مؤسسة ومعمل في البلدة هناك نحو خمسين بالمئة منها تعطلت كليًا.
ومع هذا الانهيار في البنى التحتية والفوقية، تعطّلت إمكانية الاستقرار في البلدة ولو لفترة الهدنة المستقطعة، كما حصل عقب جولة الحرب التي سبقتها. وهذا ما وضع سحمر في صفوف المدن الجنوبية التي نكبها تورط "حزب الله" في حربه الأخيرة، وفرض على أهلها التشرد.
فعاد أبناء البلدة نازحين مجددًا بعد جولة تفقدية قصيرة لبلدتهم يوم الجمعة، مع خيبة من "النصر" المحقق. ولجأوا مجددًا إلى أحضان القرى والبلدات التي رفرف العلم اللبناني على طرقاتها مؤخرًا، تعبيرًا عن تأييد موقف الشرعية اللبنانية بإنهاء واقع السلاح غير الشرعي، وأدواره التي ورطت لبنان بحروب عبثية.
علمًا أنه حتى هذه البيئة المضيفة في البقاع لم تنجُ من تبعات تورط "حزب الله" بحربه مع إسرائيل. بل خلفت الغارات الإسرائيلية التي نفذت فيها، كما في مشغرة، ندوبًا بمعالم كنسية ومدرسية فيها. وهذا ما جعل أبناء البلدة التي حضنت التنوع لفترة طويلة بغربة عنها، وخصوصًا أنها لم تخرج بعد من دائرة الخطر، طالما أن "حزب الله" مصرّ على أن سلاحه الذي استجلب للبنان الدمار والاحتلال هو "مقاومة".
هذا في وقت صعّب تشنج الخطاب السياسي لدى "حزب الله"، إمكانية استقرار أبناء بيئته مجددًا في أحضان هذه القرى، وخصوصًا بسبب مكابرة مؤيدي "الحزب" ومسارعتهم لإعلان النصر، مع اضطهاد وتخوين كل من يواجههم بالحقيقة حتى من داخل البيئة نفسها.