أنطونيو رزق

الصراع مع المحور الإيراني بلا خاتمة وشيكة

5 دقائق للقراءة
يتمتع النظام الإيراني بقاعدة شعبية موالية لأسباب عقائديّة (أ ف ب)

لا يزال نظام الملالي وأذرعه الإرهابية موجودين وقادرين على زعزعة الاستقرار في المنطقة حتى بعد الكوارث الاستراتيجية التي تعرّضوا لها منذ 7 أكتوبر على يد أميركا وإسرائيل. لذلك، رغم الأجواء التفاؤلية التي يخلقها الرئيس ترامب دوريًا حول مصير المفاوضات مع طهران، لا يبدو أن الصراع مع المحور الإيراني أضحى قريبًا من خواتيم سعيدة بالنسبة إلى ناشدي السلام والازدهار في الشرق الأوسط، بل ستستمرّ المعركة مع المنظومة الإرهابيّة المُمانعة بأشكال مختلفة على مدى السنوات المقبلة.

لم يسقط نظام الجمهورية الإسلامية الظلامي إثر الضربات الأميركية - الإسرائيلية الطاحنة التي فتكت بقياداته وقلّصت قدراته العسكرية والاقتصادية والصناعية بشكل كبير، وليست هناك بوادر تشي بأن سقوطه قريب، كما أنه يرفض بشكل قاطع تقديم التنازلات الجوهرية المطلوبة منه أميركيًا وإقليميًا، وعلى رأسها وقف تخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون العالي التخصيب منه، ووضع ضوابط صارمة على صناعة المسيّرات والصواريخ، وقطع دعمه الميليشيات الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك، بات "الحرس الثوري" يسيطر فعليًا على مضيق هرمز الحيوي، متخذًا بذلك الاقتصاد العالمي رهينة بلطجته، كما يحتفظ بمخزون كافٍ من الصواريخ والمسيّرات لتعطيل الملاحة البحرية وتهديد بلدان المنطقة.

بناءً على ذلك، من المرجّح أن تُستكمل الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ النظام الإيراني، ومن المستبعد أن تصل المفاوضات الجارية إلى حلّ مستدام للصراع، كما أن احتمال قبول واشنطن بتمديد الهدنة التي تنتهي فجر الأربعاء لمدّة 60 يومًا كما جرى تداوله أخيرًا، ضعيف جدًا طالما لم يبد الملالي أي قابلية لتقديم تنازلات جدّية، على الأقلّ في الملف النووي، لأن إيران ستستغلّ تلك الفترة لإعادة ترميم منظومة التحكّم والسيطرة لديها، ونبش منصّات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة المدفونة، الأمور التي أفادت تقارير صحافية عدّة بأن طهران تفعلها منذ إعلان الهدنة في 8 نيسان، ما سيزيد موقفها صلابة في المفاوضات، فيما ستتابع فرض سطوتها على مضيق هرمز.

ولكن، حتى لو استكملت واشنطن وتل أبيب حملتهما العسكرية ضدّ النظام الإيراني، فلن تتمكّنا من إسقاطه بواسطة سلاح الجوّ حصرًا، إذ تبيّن أن للنظام أسسًا متينة قادرة على تحمّل الخسائر الهائلة التي لحقت بقياداته، حيث تمكّن من الحفاظ على الحدّ الأدنى المطلوب من التحكّم والسيطرة لمنع الفوضى في بلد متعدّد الثقافات يضمّ أكثر من 90 مليون نسمة وأكبر جغرافيًا من العراق بثلاث مرّات ونصف تقريبًا، من دون أحداث أمنية أو انشقاقات ذات تأثير.

أمّا الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، فستكون له تبعات كارثية على الاقتصاد الإيراني وسيضعف النظام من دون شك، لكنه لن يؤدّي بالضرورة إلى سقوطه، إذ من الممكن أن يبقى الأخير ممسكًا بزمام الأمور لفترة طويلة رغم الاستنزاف الاقتصادي، مثلما بقي النظام الكوبي صامدًا حتى اليوم بعد عقود من الحصار الأميركي.

كما أن الضربات الجويّة لن تتمكّن من القضاء بشكل كامل على قدرة الملالي على تهديد الملاحة البحرية ودول المنطقة بواسطة الصواريخ والمسيّرات والزوارق السريعة والألغام البحرية، وحتى إذا سلّمنا جدلًا أنها تمكّنت من ذلك، يستطيع النظام إعادة ترميم جزء كافٍ من قدراته عند توقف الأعمال العسكرية لإعادة ممارسة بلطجته الإقليمية مجدّدًا طالما بقي موجودًا.

توازيًا، لا يزال "حزب اللّه" و "الحشد الشعبي" و "حماس" والحوثيون موجودين وقادرين على تهديد أمن البلاد الموجودين فيها والدول المجاورة. صحيح أن "حزب اللّه" و "حماس" أصبحا أضعف بكثير مِمّا كانا عليه قبل 7 أكتوبر، لكنهما يتمسّكان بسلاحيهما المتبقي، ولم يوقفا إعادة التسلّح والتجنيد، ويستطيعان عرقلة أي محاولة للتوصّل إلى اتفاق سلام مستدام مع إسرائيل وتنفيذه في لبنان وقطاع غزة.

في الغضون، شن "الحشد الشعبي" هجمات جوية إرهابية في العراق وضدّ دول الجوار إسنادًا لإيران، ولم تستطع السلطات العراقية منعه رغم الضغوط الأميركية - الخليجية الشديدة عليها لفعل ذلك، كما أن الضربات الجوية الأميركية ضدّ قياداته ومواقعه كان لها تأثير محدود. أمّا الحوثيون، فأثبتوا قدرتهم على عرقلة الملاحة في البحر الأحمر خلال "حرب إسناد غزة"، وما زالوا يتمتعون بتلك القدرة حتى لو أنهم لم يستخدموها خلال الحرب الأخيرة قبل الهدنة، كذلك الأمر بالنسبة إلى قدرتهم على استهداف دول الخليج والأردن وإسرائيل.

في الحقيقة، لا يمكن إلغاء كيان عسكري عقائدي يعتمد أساليب الحرب غير المتكافئة من الوجود بواسطة القوّة العسكرية التقليدية، طالما أن الكيان يتمتع ببيئة حاضنة واسعة بما يكفي لتأمين استمرار نشاطاته، الأمر الذي أثبتته التجارب التاريخية مرارًا من فيتنام، مرورًا بأفغانستان، وصولًا إلى العراق وإيران ولبنان وغزة واليمن.

طبعًا، لا يعني ذلك أنه يتعيّن الاستسلام أمام هذا التحدّي والخضوع للإرهاب ومهادنته، بل يكمن المغزى في ضرورة الانطلاق من قراءة واقعية للمواجهة الجارية، واستبعاد فرضية إنهاء سريع للنظام الإيراني وأذرعه من خلال القوّة العسكرية التقليدية، والتحضير إقليميًا ودوليًا لصراع طويل يستند إلى استراتيجية خنق وعزل وإضعاف أركان محور الإرهاب على كلّ المستويات وبكافة الوسائل المتاحة، وتعزيز القدرات العسكرية للبلاد المناوئة للمحور عبر تعميق العلاقات مع أميركا وإنشاء شراكات عسكرية جديدة مع دول مثل أوكرانيا، فيما بدأ البحث عن بدائل محتملة للتجارة عبر مضيق هرمز.