المخرج رمال أبي يونس

بين خطوط الهدنة والمفاوضات.. الأصفر يهيمن والأزرق يحتل والأخضر يدفن وهو حيَ

9 دقائق للقراءة

لا تُتخذ القرارات في لبنان حيث يجب أن تُتخذ، بل تطبخ في الخارج وتُقدَّم في الداخل على شكل تسويات. فما طرح كـ“هدنة” ليس وقفاً للحرب بل إعادة توزيع للأدوار، وما يُسوّق كتفاوض ليس بحثاً عن سلام، بل محاولة لتنظيم خسارة جماعية دون إعلان الهزيمة.

يتحدث الرئيس جوزف عون بلغة الدولة لكن الدولة التي يتحدث باسمها لا تملك القرار كاملاً، ويحاول جاهدا تثبيت السلم الأهلي وتجسد هذا المشهد بعدم زج الجيش في آتون المواجهة مع الحزب، في وقت تُسحب فيه عناصر الاستقرار من تحت قدميه، واحدة تلو الأخرى.

في المقابل، حزب الله لا يقاتل فقط إسرائيل، بل يقاتل أيضاً فكرة الدولة نفسها، ويحتفظ بسلاحه كضمانة وجود، بينما يتحول هذا السلاح إلى عبء استراتيجي على بلد كامل، هو أقوى من أن يُكسر داخلياً وأضعف من أن يحسم إقليمياً.

وإسرائيل من جهتها لا تبحث عن نصر تقليدي، هي تعمل وفق منطق مختلف، إدارة التهديد لا إنهاؤه، وتُبقي لبنان في حالة ضغط دائم، وتنتقل من القصف إلى الاختراق، ومن الحرب إلى العمليات الدقيقة، لأن الحرب الشاملة مكلفة بينما الاستنزاف أذكى.

أما إيران، فهي اللاعب الذي لا يظهر في الصورة، لكنه يمسك إطارها وهي تدير الصراع كجزء من معادلة أوسع، وتتعامل مع لبنان كجبهة متقدمة لا كدولة مستقلة، فالدعم مستمر نعم لكن القرار ليس لبنانياً.

وعلى وقع تصاعد غير مسبوق في وتيرة القصف الإسرائيلي على لبنان، وفي ظل غارات تُعد الأعنف منذ اندلاع المواجهة، خرج الرئيس جوزف عون بدعوة واضحة نحو التفاوض، في محاولة لوقف التصعيد وحقن الدماء.

لم يكن هذا الطرح تفصيلاً عابراً، بل تحوّلاً في توقيت بالغ الحساسية، فالرئيس عون فتح باب التفاوض في لحظة يصفها مراقبون بأنها الفرصة الأخيرة لتفادي الانهيار الشامل، موجهاً رسالة مباشرة لمنتقديه مفادها بأن:

التفاوض ليس تنازلاً والدبلوماسية ليست استسلاماً ثم يذهب أبعد، واضعاً السؤال في قلب الجرح. ماذا جنى لبنان من الحرب سوى الدمار؟ وداخلياً، رسم عون خطاً أحمر واضحاً، السلم الأهلي غير قابل للمساومة في بلد يقف على حافة الانقسام، ولم تعد هذه العبارة موقفاً سياسياً، بل محاولة لمنع الانفجار من الداخل قبل الخارج وتدمير الدولة.

لكن خلف هذا الخطاب، وقفت ثلاث حقائق أكثر قسوة من أي تصريح:

أولا: إصرار إسرائيل على البقاء في الجنوب، مع تلويح بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، وقد بدأت بتنفيذها وهي خطوة لا تعني فقط تصعيداً عسكرياً، بل إعادة رسم قواعد الاشتباك بالقوة وفرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها.

ثانيا: سلاح حزب الله العقدة الأكثر تعقيداً، بين ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، يتمسك الحزب بترسانته، رافضاً أي نقاش حول نزعها، ما يضع الدولة اللبنانية أمام مأزق وجودي: دولة تريد احتكار القرار وواقع لا يسمح لها بذلك.

ثالثا: العامل الإيراني، الحاضر بثقل في قلب المشهد، فطهران تؤكد استمرار دعمها لحزب الله، فيما تتصاعد التوترات السياسية مع بيروت، على خلفية ملفات سياسية ودبلوماسية شائكة آخرها ملف السفير الإيراني ورفضه مغادرة لبنان. وهذا مشهد يكشف أن القرار اللبناني لم يعد شأناً داخلياً بالكامل.

في هذا التوازن الهش، يقف لبنان بين خيارين إما الانزلاق إلى نار مفتوحة أو الدخول في تفاوض يفتح باباً مجهول النتائج و ميدان مفتوح لا تحكمة الا لغة النار.

ولكن بعد اتصالات مكثفة بين بيروت وواشنطن، دخل الملف اللبناني مرحلة جديدة، خصوصاً بعد إعلان دونالد ترامب في 17 أبريل 2026 أن الولايات المتحدة ستمنع إسرائيل من مواصلة القصف الواسع لكن هذا الموقف لم يكن مقرونا بإعلان انتهاء الاشتباك السياسي والعسكري مع حزب الله، لم يكن إعلان نهاية، بل إعادة توزيع للأدوات فوقف القصف لا يعني انتهاء المعركة بل تغيير شكلها والسؤال لم يعد: هل تتوقف الحرب؟ أو كيف ستستمر؟

وفي بيروت تحدث الرئيس جوزاف عون عن الانتقال من وقف إطلاق نار مؤقت إلى تفاهمات أكثر ثباتا، في وقت تتكثف فيه الضغوط الدولية لدفع لبنان نحو ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. غير أن جوهر الأزمة لم يتغير، فإسرائيل تريد معالجة أمنية تنتهي بإضعاف حزب الله أو نزع سلاحه، والرسائل الإسرائيلية وفي الأيام الأخيرة لم توح بأن الملف أغلق، بل أوحت بالعكس تماما: ان هناك استعداد لمنح الجهد السياسي فرصة بطلب أميركي، لكن مع إبقاء هدف نزع سلاح حزب الله حاضرا في الخلفية. وهذا التوازن هو ما يعيد الشكوك إلى الواجهة لأن إسرائيل حين ترى أن الوقت السياسي لا يكفي، تميل تاريخيا إلى البحث عن أدوات ضغط أكثر حدة وأقل كلفة من الحرب المفتوحة. لهذا يعود اسم "البيجر" كلما ضاق هامش الغارات التقليدية. فعملية سبتمبر 2024 لم تقرأ فقط كضربة أمنية موجعة، بل ككشف عن نمط عمل يعتمد على الاختراق العميق والمفاجأة واستخدام أدوات الاتصال نفسها في ضرب البيئة التنظيمية لحزب الله، لتصبح عملية البيجر اسما لطريقة إسرائيلية محتملة في إدارة المعركة دون الاضطرار الخوض حرب شاملة.

في المقابل، يمضي لبنان منذ أشهر في خطاب رسمي يؤكد أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وان التفاوض والقرار الأمني يجب أن يبقيا في يد المؤسسات الشرعية. لكن المسافة بين الإعلان والتنفيذ ما زالت واسعة، وهي ما تراها تل أبيب فرصة لتنفيذ عملياتها النوعية والمواجهة المقبلة، قد لا تبدأ من السماء ولا توجد حتى الآن معطيات تثبت أن عملية بعينها باتت وشيكة، لكن توافر الدافع السياسي والعسكري يعيد طرح الاحتمال بقوة، خصوصا مع القيود الأميركية على خيار تجدد الحرب المفتوحة وإسرائيل حين تفقد جدوى الوقت السياسي، تميل إلى أدوات ضغط أقل كلفة من الحرب المفتوحة وأكثر دقة. ومن هنا يصبح السؤال المهني المطروح ليس هل تعود الحرب غدا؟ بل هل يتكرر سيناريو البيجر من جديد؟ وهذه المرة المعركة إن وقعت، قد لا تُسمع بل تُكتشف بعد وقوعها.

المشهد الآن لا يقول أن الحرب انتهت بل يقول إن شكلها قد يتبدل فحين تتقدم الهدنة خطوة ويتعثر الحل خطوة أخرى، يصبح البلد كله معلقا بين مسارين مسار تفاوضي يريد تبريد الجبهة وإعادة الملف إلى الدولة، ومسار أمني إسرائيلي قد يعتبر أن المباغتة أسرع من الانتظار، ليبقى لبنان عالقا أمام سيناريوهات مجهولة.

وهنا، يدخل عنصر جديد إلى المعادلة: الخط الأصفر... فلم تعد الحدود تُرسم فقط بالخرائط بل بالناروهذا ليس إجراءً ميدانياً فقط بل إعلان غير مباشر عن ولادة حدود جديدة بالقوة. وهذا الخط، الذي يمتد من الناقورة مروراً ببنت جبيل والعديسة، ويتوغل عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ليس مجرد إجراء أمني، بل إعادة رسم الجغرافيا بصمت. ونحو 55 بلدة وقرية أصبحت ضمن نطاق شبه معزول، وسكانها ممنوعون من العودة، وأي تحرك داخلها قد يُصنّف كهدف عسكري وهنا لا ترسم الحدود بالحبر والخط الأصفر ليس خطاً فقط بل رسالة أن الواقع يُفرض ثم يُفاوض عليه.

ومن هذا الواقع وعند قراءة تاريخ التفاوض بين لبنان وإسرائيل، من اتفاق الهدنة عام 1949، مروراً باتفاق 17 أيار 1983، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية عام 2022 يرصد هذا التاريخ أن أي حديث جديد عن تفاوض لا يشير بالضرورة إلى سلام شامل، بل يتركز غالبا على ترتيبات أمنية وآليات لوقف إطلاق النار تحت ضغط الوساطات الدولية.

الحديث عن تفاوض بين لبنان وإسرائيل لا يعنى حتميا أن طريق السلام معبد بالورود، فالتجارب السابقة أثبتت أن التجاذب الداخلي دائما ما يكون عائقا أمام أي تسوية دائمة.

بدأ الأمر عام 1949 في اتفاق هدنة، لم يكتب سياسيا، بل كان مجرد إجراء عملي لوقف الأعمال القتالية، وتثبيت خطوط التماس، وإنشاء آلية رقابة، ومنذ تلك اللحظة بدا واضحا أن التفاوض يستخدم كوسيلة لتنظيم الاشتباك لا لتغييره

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أمل الطرفان أن يتغير هذا السقف، ففي عام 1983، أفضت مفاوضات مباشرة إلى اتفاق 17 أيار، الذي حاول أن يتجاوز فكرة ضبط المواجهة إلى إنهاء حالة الحرب، لكن هذا التحول لم يكتمل، سرعان ما اصطدم بتعقيدات الداخل اللبناني وبحسابات إقليمية، فسقط قبل أن يتحول إلى واقع قابل للاستمرار، وعاد التفاوض إلى إطاره الأضيق.

ومع دخول التسعينيات، تراجع السقف أكثر، فلم يعد الحديث يدور حول تسوية، بل حول كيفية منع تمدد التصعيد ، فجاءت التفاهمات في سياق احتواء المواجهة، وتم تنظيم الاشتباك بطريقة ركزت على حماية المدنيين وضبط قواعد الاشتباك، من دون أن تقترب من أصل الصراع أو تفتح مسارا لحله.

مسار هذا التاريخ استمر، لكن بادوات مختلفة، وصولا إلى مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و 2022 في الظاهر، كانت مفاوضات تقنية تعنى بالخطوط البحرية وحقول الغاز، لكن في العمق كانت محاولة لتفادي احتكاك قد يتحول إلى مواجهة أوسع، عبر تحديد ما يمكن لكل طرف أن يتحرك ضمنه، والاتفاق الذي خرج من هذا المسار رسم حدودا تمنع الإنزلاق الى مواجهة مفتوحة.

وعند النظر الى محطات هذا التاريخ، لا تظهر كتقدم نحو تسوية، بل تكرار لنفس الوظيفة بادوات مختلفة، في كل مرة يفتح فيها باب التفاوض، يكون الهدف تثبيت مستوى معين من الهدوء، لا الانتقال إلى مرحلة جديدة.

غدا سيلتقي دولة الرئيس نواف سلام الرئيس ماكرون حاملا معه ملف الهدنة ضمن جولته الأوروبية، وتأتي هذه الزيارة مع استمرار اشتعال الجنوب اللبناني تحت هدنة تُخرق بالنار حيث تواصل إسرائيل فرض حصارا على عشرات القرى، بالتوازي مع إعلان الخط الأصفر كحد ناري جديد واستهداف أي شخص يعبره والتدمير ما يقع خلفه. خطة بثلاثة خطوط، الأحمر، الأصفر، حتى الليطاني تعني عمليا اعادة رسم الجغرافيا العسكرية، لا تثبيت الهدنة.

فبين الهدنة الموقوتة وفن المفاوضات ورسم الخطوط، لا أحد يملك ترف الانتصار، فالدولة ضعيفة أكثر مما تعترف، والحزب عالق بين السلاح والسياسة، وإسرائيل غير مستعدة لدفع كلفة الحسم، وإيران تدير ولا تتحمل النتائج، والغرب يراقب ويضبط الإيقاع عند الحاجة.

ولبنان اليوم داخل حرب تغيّر شكلها، والهدنة تتقدم خطوة والتصعيد يتراجع خطوة، لكن المعادلة لم تتغير والمواجهة لم تعد بالضرورة في السماء، وقد تبدأ من الداخل من اختراق، أو عملية صامتة، أو ضربة لا تُعلن.

والسؤال الحقيقي لم يعد هل ستندلع الحرب؟ بل هل يستطيع لبنان أن يخرج من كونه ساحة قبل أن يُعاد تعريفه كمنطقة عازلة دائمة؟ هذا ليس وقت الخطابات هذا وقت الاعتراف ان لبنان لا يُحكم بل يُدار ولا يُحمى بل يُستخدم وما لم يتغير ذلك لن تكون الهدنة سوى فاصل قصير بين جولة وأخرى و... الله يستر