في لبنان، لا يبدأ القرار من بيروت ولا ينتهي فيها. يُصاغ في واشنطن، ويُساوَم عليه في طهران، ويُختبر ميدانيًا مع إسرائيل، قبل أن يصل إلى الداخل اللبناني بصيغة تسوية.
ضمن هذه المعادلة، لم يعد "الانتظار" مجرّد مرحلة، بل تحوّل إلى نظام حكم فعلي، تُعلَّق فيه الاستحقاقات إلى حين نضوج التفاهمات الخارجية.
المشهد الراهن يقدّم صورة مكثفة لهذه المعادلة. على الحدود الجنوبية، يسود هدوء هش، أقرب إلى تعليق موقت للصراع منه إلى تسوية مستدامة. في الداخل، تبدو القوى السياسية في حال ترقب دائم: لا مبادرات حاسمة، ولا خيارات نهائية. الجميع ينتظر إشارة ما - من تفاهم إقليمي، أو تبدّل في أولويات دولية، أو حتى نتائج انتخابات في عواصم كبرى - قبل أن يحدّد موقعه وخياراته.
في موازاة ذلك، لا تبدو الهدنة القائمة في الجنوب سوى استراحة قصيرة في مسار مفتوح. فالاتفاق المحدّد بعشرة أيام يفتقر إلى ضمانات حقيقية، فيما تتواصل الخروقات الإسرائيلية، بالتوازي مع سعي واضح لفرض ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" كأمر واقع أمني داخل الأراضي اللبنانية. هذا الخط، الذي يمتد لعمق يصل إلى نحو عشرة كيلومترات، لا يُقرأ فقط كإجراء دفاعي، بل كجزء من إعادة انتشار ميداني تحت غطاء الهدنة، بما يتيح لإسرائيل تثبيت قواعد اشتباك جديدة. بذلك، يتحوّل وقف إطلاق النار من خطوة نحو التهدئة إلى أداة لإعادة ترتيب الوقائع على الأرض، بانتظار ما ستُفضي إليه التفاهمات الأوسع في الإقليم.
هذا ليس عجزًا تقنيًا في إدارة الأزمات، بل تعبير عن خلل بنيوي أعمق: تفريغ الفاعل السياسي المحلي من قدرته على المبادرة. تدريجيًا، انتقل مركز القرار من الداخل إلى الخارج، فيما اكتفت القوى اللبنانية بدور "التكيّف" مع ما يُقرَّر. لم تعد الأحزاب تتنافس على برامج بقدر ما تتمايز في تموضعها ضمن خرائط النفوذ الإقليمي. والدولة، بدل أن تكون مرجعية جامعة، تحوّلت إلى مساحة تقاطع بين هذه التموضعات، أو إلى ساحة اختبار لتوازنات لا تملك التحكم بها.
بهذا المعنى، لم يعد لبنان فقط ساحة صراع، بل منصة لإرسال الرسائل. كل تصعيد محسوب، وكل تهدئة محسوبة أكثر، يُقرأ في سياق يتجاوز الجغرافيا اللبنانية. حتى الاستحقاقات الداخلية - من انتخاب رئيس إلى إقرار إصلاحات مالية - باتت مرتبطة بسياقات تفاوضية أوسع، وكأنها أوراق ضمن ملف إقليمي مفتوح، لا أدوات ضمن مشروع وطني واضح المعالم.
الأخطر، أن هذا الواقع لم يعد يُنظر إليه كأزمة طارئة، بل كحالة شبه طبيعية. صار الانتظار سياسة بحد ذاته يُستخدم لتفادي المواجهة، ولتأجيل القرارات المكلفة، ولإدارة التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج. لكنه، في الوقت نفسه، يُنتج شللًا مزمنًا، حيث لا شيء يُحسم، ولا شيء يُبنى على أساس مستقر.
الكلفة هنا متعددة الأوجه: تآكل السيادة: حين يُربط قرار الحرب والسلم بمسارات خارجية. تعميق الانقسام: ارتهان القوى المحلية لمحاور متناقضة بدلًا من الأرضية الوطنية. النزيف الاقتصادي: بلد يعيش على "حقنة" الوعود المؤجلة والإصلاحات المعطلة.
في المقابل، تُنتج هذه الدينامية وهمًا بالاستقرار. كل هدنة تُسوَّق كإنجاز، وكل تأجيل يُقدَّم كحكمة. غير أن الوقائع تشير إلى العكس: الأزمات لا تُحل، بل تُرحَّل؛ التوازنات لا تُثبَّت، بل تُعلَّق؛ والدولة لا تتعافى، بل تتكيّف مع ضعفها وتعيد إنتاجه.
المفارقة أن كسر هذه الحلقة لا يتطلّب معجزة بقدر ما يتطلّب قرارًا. قرار بإعادة الاعتبار للسياسة كفعل مبادرة، لا كإدارة انتظار. لبنان، كما هو اليوم، ليس دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل دولة مؤجَّلة. وكلما طال الانتظار، تضيق الهوامش أكثر، إلى أن يصبح الخروج من هذه الحالة أصعب بكثير من البقاء فيها. بين الاستمرار كمنصة للآخرين، أو التحوّل إلى لاعب - ولو بقدرات محدودة - يقف البلد عند مفترق واضح.
لكن المفارقة أن حتى هذا القرار، الذي يفترض أن يكون داخليًا بامتياز، ما زال هو الآخر… قيد الانتظار.