شدّد رئيس المجلس التنفيذي لمشروع وطن الإنسان النائب نعمة افرام على أن "دعم الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة الغذائية لم يعد خيارًا بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الصمود الوطني وتقليص الارتهان للخارج، بالتوازي مع ترشيد استخدام الطاقة والحدّ من الهدر وإعادة هيكلة الإنفاق العام بما ينسجم مع معايير الكفاءة والانضباط. ,ودعا الى اعتماد سياسة ضريبية عادلة ومحفّرزة للنمو توازن بين متطلبات الإيرادات وتحفيز الإقتصاد، مؤكّداً أن التجارب العالمية أثبتت أن الدول لا تنهار فقط تحت وطأة الأزمات بل عندما تتأخّر في الإستعداد لها.
عُقد في بيروت مؤتمر حواري تحت عنوان سياسات الصمود الاقتصادي وإدارة الموارد الوطنية في لبنان في ظلّ التحدّيات الإقليمية، بدعوة من رئيس المجلس التنفيذي لمشروع وطن الإنسان النائب نعمة افرام، وبمشاركة وزراء ونواب وممثلين عن الهيئات الاقتصادية وخبراء ومعنيين بالشأن العام.
شارك في المؤتمر وزير الاقتصاد عامر بساط، ووزير الطاقة والمياه جو صدّي، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، ووزير الصناعة جو عيسى الخوري، والوزير السابق محمد شقير، والنواب ابراهيم كنعان والياس حنكش وميشال الضاهر.
مفترق حاسم
أكد افرام أن لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم يتجاوز حدود الأزمات الاقتصادية التقليدية إلى مستوى التحوّلات البنيوية التي تضرب عمق الاستقرار السياسي والمالي والاجتماعي، مشدّدًا على أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق استباقها عبر رؤية دولة متكاملة وقرار سيادي واضح. مشيرًا إلى أن اشتداد التوترات الإقليمية وتفكّك سلاسل الإمداد العالمية والضغوط المتزايدة على أسواق الغذاء والطاقة والدواء تضع لبنان أمام اختبار وجوديّ يتطلّب أعلى درجات الجهوزية والمسؤولية. لافتًا إلى أن "حماية اللبنانيين وصون الحدّ الأدنى من الاستقرار أمر لم يعد ممكنًا عبر المعالجات الظرفية أو السياسات المجتزأة، بل يستدعي مقاربة شاملة تقوم على تأمين استمرارية السلع الأساسية والمستلزمات الطبية وتعزيز القدرة المالية للدولة وإعادة بناء الثقة بالسياسات العامة". واعتبر أن "المطلوب اليوم الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ عبر خطوات عملية واضحة تضع مصلحة المواطن في صلب القرار الاقتصادي".
الوزراء المشاركون
عرض وزير الاقتصاد والتجارة عامر بساط واقع المرحلة الاقتصادية الراهنة بوصفها صدمة متعدّدة الأبعاد تطول النمو والتضخم وميزان المدفوعات في آن واحد. وأكد أن التحدّي الحقيقي يكمن في الانتقال من إدارة الصدمة إلى بناء مناعة اقتصادية مستدامة، وذلك من خلال إعادة تكوين هامش مالي للدولة يمكّنها من التدخل عند الضرورة، وإطلاق إصلاحات هيكلية شاملة. وشدّد على أن هذه الإصلاحات يجب أن تشمل إعادة هيكلة النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة وكفاءة وتحفيزًا للإنتاج والاستثمار، إلى جانب مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية بما يحقق توازنًا أكبر في العلاقات التجارية.
كما اعتبر أن أيّ مسار للنهوض الاقتصادي يبقى رهنًا بإعادة تفعيل القطاع المصرفي ومعالجة أزمته بصورة جذرية، بما يعيد الثقة ويؤمّن التمويل اللازم لتحريك عجلة الاقتصاد.
ورأى وزير الطاقة والمياه جو صدّي أن تعزيز الأمن الطاقوي يتطلّب رؤية استراتيجية طويلة الأمد ترتكز على بناء مخزون استراتيجي من المحروقات وإعادة تأهيل البنية التحتية القائمة، بالتوازي مع تسريع التحوّل إلى الغاز الطبيعي وتنويع مصادر الطاقة.
وأكد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ضرورة تطوير منظومة لوجستية مرنة قادرة على مواجهة الأزمات عبر تفعيل مرافئ بديلة وفي مقدّمها مرفأ طرابلس ومطار القليعات، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية ومنح صلاحيات استثنائية تتيح تسريع التنفيذ في الظروف الطارئة. وأعلن وزير الصناعة جو عيسى الخوري التوجّه لإعادة هيكلة العمل الإداري وتحديث آلياته بما يحدّ من البيروقراطية ويسرّع تقديم الخدمات ويعزز الكفاءة المؤسّسية.
التوصيات
خلص المؤتمر إلى مجموعة توصيات استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز صمود الدولة وتحسين كفاءة إدارة الموارد والانتقال إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ستتم صياغتها ومتابعتها وتقديمها إلى الجهات الرسمية المعنية كي تتحوّل إلى مشاريع قوانين. وأبرزها:
أولًا- تأمين سلاسل إمداد مستقرّة للسلع الأساسية والمستلزمات الطبية عبر اعتماد مقاربة وطنية شاملة تقوم على إنشاء مخزون استراتيجي وتنوّع مصادر الاستيراد. (تعزيز الجهوزية اللوجستية من خلال تفعيل مرفأ طرابلس ومطار القليعات كمنصات استراتيجية بديلة، دعم الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي، تطوير أنظمة رقمية لإدارة سلاسل التوريد ومراقبة الأسواق بما يحدّ من الاحتكار ويضمن استقرار الأسعار).
ثانيًا، إصلاح السياسة الضريبية عبر إعادة هيكلة النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة (اعتماد سياسات ضريبية انتقالية تشجع الامتثال وتزيد الإيرادات، إلغاء الاستثناءات غير المبرّرة وتوحيد المعايير بما يعزز الشفافية، ربط السياسة الضريبية برؤية اقتصادية واضحة تدعم الاستثمار والاستقرار).
ثالثًا، ترشيد استعمال الطاقة عبر تسريع الانتقال إلى مزيج طاقوي مستدام قائم على الغاز والطاقة المتجدّدة ضمن خطة وطنية واضحة (تعزيز الاستثمار في البنية التحتية للطاقة لخفض الكلفة وتحسين الإنتاجية، اعتماد مؤشرات أداء دقيقة لقياس كفاءة الاستهلاك، تطبيق سياسات عملية لترشيد استخدام الطاقة في مختلف القطاعات).
رابعًا، إعادة هيكلة الإدارة العامة وتنظيم الموارد البشرية عبر تحديد الصلاحيات بوضوح والحدّ من التداخل بين المؤسسات (إعادة توزيع الموارد البشرية وفق الكفاءة والحاجة الفعلية، اعتماد التحوّل الرقمي وإنشاء قواعد بيانات وطنية موحّدة، توحيد الإجراءات الإدارية وتعزيز الإنتاجية وربط التقييم بالأداء).
خامسًا، إعادة النظر في المؤسسات والصناديق الرديفة عبر تقييم دورها وفعاليتها وإعادة هيكلتها أو دمجها عند الضرورة (تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارتها، تحديد أولويات الإنفاق).
سادسًا، التأكيد على ضرورة إعادة تفعيل القطاع المصرفي ومعالجة أزمته بشكل جذريّ باعتباره ركيزة أساسية لأي نهوض اقتصادي واستعادة الثقة المحلية والدولية.