أنطوني شمعون

لماذا يحتاج لبنان إلى لحظة سادات

11 دقيقة للقراءة

كتب أنطوني شمعون في موقع The Beiruter المقال الآتي: 

اليوم، في أعقاب نزاعين مسلّحين مدمّرين بين حزب الله وإسرائيل (في 2023-2024 و 2026)، وفي ظلّ وقف إطلاق نار هشّ ومحادثات مباشرة رفيعة المستوى جارية بين لبنان وإسرائيل، يمكن ملاحظة أوجه تشابه واضحة بين بيروت والقاهرة.

هذا الأمر يدفعنا إلى إجراء إعادة تقييم أعمق وأكثر صرامة للدور التاريخي للرئيس المصري الراحل أنور السادات، ممّا يطرح سؤالًا أساسيًا: كيف ينبغي تفسير إرث السادات، ولا سيّما في ضوء السياق اللبناني الراهن؟

رسم أوجه الشبه بين مصر ولبنان

يمكن تحديد عدّة أوجه تشابه بارزة بين السياق المصري عام 1973 والمشهد اللبناني في عام 2026.

أوّلًا، أدركت غالبية الشعب اللبناني وقادته عبثية الحرب كوسيلة لتحقيق مصالح البلاد؛ وفي هذا السياق، يجدر التذكير بواحدة من أشهر مقولات كارل فون كلاوزفيتز (Carl von Clausewitz): "الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى".

لقد تسبّبت النزاعات المسلّحة الأخيرة بدمار هائل وخسائر إنسانية واقتصادية جسيمة (بما في ذلك نزوح واسع النطاق)، كما أدّت إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من جنوب لبنان؛ نحو 55 قرية وبلدة (بمساحة تقارب 500 كيلومتر مربّع). وبالتالي، وكما أدركت مصر والسادات عبثية المواجهة العسكرية مع إسرائيل، فإنّ كلفة استمرار الصراع مع غياب أي مكاسب تُذكر عزّزت الحاجة في لبنان إلى استكشاف استراتيجيات بديلة.

ثانيًا، عاد ملف استعادة الأراضي ليشكّل قضية مركزية. وعلى عكس مصر عام 1973، كان لبنان قد حقّق انسحابًا إسرائيليًا في عام 2000 (مع استثناء النزاع الحدودي البرّي غير المحسوم والمثير للجدل بين لبنان وسوريا وإسرائيل بشأن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية النخيلة، إضافةً إلى 13 نقطة حدودية برّية متنازع عليها بين لبنان وإسرائيل).

أمّا اليوم، ومع اقتراب بيروت من مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، فمن المرجّح أن تبرز صيغة "الأرض مقابل السلام" في أي مفاوضات بين الطرفين، على غرار ما حصل حين استعادت القاهرة شبه جزيرة سيناء عبر تسوية سياسية تفاوضية.

ولا يُعدّ ذلك بحدّ ذاته علامة ضعف أو استسلام، شرط أن يضمن لبنان خوض أي مفاوضات على أساس صون سيادته وأمنه واستقراره ومصالحه؛ وهو ما قد يتطلّب بذل جهود كبيرة لتحقيق هذه الأهداف. وقد عبّر عن ذلك صراحة الرئيس اللبناني جوزاف عون في خطابه المتلفز بتاريخ 17 نيسان 2026، حين قال: "أنا مستعدّ للذهاب حيثما كان لتحرير أرضي، وحماية أهلي، وخلاص بلدي".

ثالثًا، ينبغي على لبنان الاستفادة من علاقته مع الولايات المتحدة لتأمين مطالبه ومصالحه بفعالية. ومن الدروس الأساسية المستخلصة من التجربة المصرية هي مركزية واشنطن كوسيط. بالإضافة إلى ذلك، إنّ الولايات المتحدة غالبًا ما تتدخّل بعد اندلاع الأزمات، وقد وفّرت المواجهات العسكرية الأخيرة لبيروت فرصة للاستفادة من تجدّد الاهتمام والانخراط الأميركي في الملف اللبناني.

وقد أثبتت واشنطن بالفعل قدرتها على تسهيل الاتفاقات، كما في اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، حيث تمكّن لبنان من تثبيت الخطّ 23، وهو أكثر ملاءمةً لبيروت من الخطّ 1 الذي سعت تل أبيب لاعتماده.

رغم أنّ انحياز واشنطن لإسرائيل أمر غير قابل للإنكار، فإنّ مصالحها الإقليمية واستراتيجيتها تتيح مجالًا للوساطة. غير أنّ هذه الوساطة لا يمكن أن تحقّق نتائجها المرجوّة إلّا إذا اقترنت بتماسك داخلي وأهداف وطنية واضحة، بما يتطلّب فهم كيفية الاستفادة من النفوذ الأميركي على إسرائيل بما يخدم مصلحة بيروت.

إذًا، بعد عرض هذا التحليل المقارن، يصبح من الضروري التعمّق في التسلسل التاريخي للأحداث التي قادت مصر إلى حرب عام 1973 لفهم كيفية انعكاس هذه الاعتبارات على خياراتها الاستراتيجية عمليًا.

الطريق إلى حرب 1973 العربية-الإسرائيلية

في أعقاب حرب الأيّام الستّة (Six-Day War) بين 5-10 حزيران 1967، واجهت مصر مأزقًا استراتيجيًا ونفسيًا عميقًا. فقد أدّى احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء إلى تقويض سيادة القاهرة وسلامة أراضيها، كما حرمها من كرامتها ومكانتها، في وقتٍ كانت فيه المبادرات الدبلوماسية تفشل مرارًا.

عندما تولّى أنور السادات السلطة عام 1970 بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، ورث هذا الجمود. وسرعان ما أدرك السادات ثلاث حقائق:

- أولًا، أنّ مصر تفتقر إلى القدرة على تحقيق نصر عسكري حاسم على إسرائيل، ما يجعل الحرب خيارًا غير مجدٍ.

- ثانيًا، أنّ الاتحاد السوفياتي (U.S.S.R.) كان غير راغب أو غير قادر على تلبية مطلب القاهرة الأساسي المتمثّل في استعادة أراضيها المحتلّة.

- ثالثًا، أنّ الولايات المتحدة هي القوّة الوحيدة القادرة على تلبية احتياجات مصر الإقليمية والأمنية. وتمثّلت براعة السادات الاستراتيجية في إدراكه أنّ واشنطن، وليس موسكو، تمتلك النفوذ الحاسم على إسرائيل.

وبناءً على ذلك، قرّر السادات الشروع في إعادة تموضع استراتيجي جريئة وغير مسبوقة لدولة أنهكتها الأزمات. ففي 18 تموز 1972، قام بطرد المستشارين العسكريين السوفيات، ما أدّى إلى توتير العلاقات بشدّة مع موسكو، وإعادة تموضع الأخيرة باتجاه دمشق في سوريا. وفي الوقت نفسه، سعى إلى فتح قنوات حوار مع البيت الأبيض، مدركًا حجم النفوذ الأميركي على إسرائيل. وقد شمل هذا المسار شخصيات مصرية بارزة، من بينها رئيس الاستخبارات أحمد إسماعيل، ومستشاره المقرّب الدكتور محمد حافظ غانم.

منذ البداية، أوضح المصريون للأميركيين أنّهم حريصون على استعادة أراضيهم المحتلّة وأنّهم لا يستطيعون تحمّل أي مماطلة. بل إنّ إسماعيل أبلغ وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأميركي الدكتور هنري كيسنجر في 25 شباط 1973 أنّ مصر "تتحرّك بمفردها"، وأنّها مستعدّة للدخول في اتفاقات مرحلية مع إسرائيل بغض النظر عن الموقف العربي العام (ولا سيّما سوريا والأردن). وقد أكّد الدكتور غانم هذا التوجّه بقوله: "نعتقد أنّه ينبغي تحقيق ذلك على مراحل، وبشكل تدريجي. وعند محاولة تصوّر الإجراءات، يمكن أن يكون ذلك عبر تسوية سلام مصرية-إسرائيلية كنقطة انطلاق، أو عبر تسوية أردنية-إسرائيلية ومصرية-إسرائيلية تسيران بالتوازي".

لكن مع عدم أخذ كيسنجر التقارب المصري على محمل الجدّ، واستمرار تردّد البيت الأبيض في استخدام نفوذه في المفاوضات، ورفض إسرائيل لأي تسوية أو تنازل سياسي، قرّر السادات التحضير للحرب، مقتنعًا بأنّ مواجهة عسكرية مضبوطة وحدها قادرة على تغيير المعادلة الاستراتيجية.

وبالفعل، اندلعت الحرب في 6 تشرين الأوّل 1973، المعروفة باسم "حرب يوم الغفران" (Yom Kippur War) أو "حرب أكتوبر" (October War) أو "حرب رمضان" (Ramadan War)، بالتنسيق مع سوريا، واستمرّت حتى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338 في 22 تشرين الأوّل 1973، وتوقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وكلّ من مصر وسوريا في 11 تشرين الثاني 1973 و31 أيار 1974 على التوالي.

حرب 1973 العربية-الإسرائيلية كأداة دبلوماسية

لم تكن رحلة مصر من ساحة معركة 1973 إلى معاهدة السلام عام 1979 سهلة أو حتمية، بل كانت نتيجة حسابات استراتيجية دقيقة، حيث خدمت الحرب الدبلوماسية، واستندت الدبلوماسية إلى وساطة القوى الكبرى.

رغم اللّجوء إلى مواجهة عسكرية، كانت أهداف الرئيس المصري محدودة نسبيًا. فبدل السعي إلى نصر شامل على إسرائيل (في ظلّ محدودية قدرات القاهرة)، سعى السادات إلى كسر فكرة "الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر"، واستعادة الثقة العربية والمصرية، وفرض تدخّل دولي، ولا سيّما أميركي. وقد شكّل العبور المصري الأوّل لقناة السويس (Suez Canal) وخط بارليف (Bar Lev Line)، وهو خطّ دفاعي حصين أنشأته إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة، إنجازًا نفسيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمّية.

ورغم أنّ الحرب انتهت إلى حالة من الجمود العسكري مع أفضلية ميدانية طفيفة لإسرائيل، فإنّها خلقت أزمة بالحجم الكافي لاستدراج الولايات المتحدة إلى وساطة فعّالة، ما أدّى إلى كسر الجمود الدبلوماسي الذي استمرّ منذ عام 1967. هذا وقد توافقت حسابات السادات مع رؤية الدكتور هنري كيسنجر، الذي كان حريصًا على تجنّب هزيمة إسرائيل من جهّة، ومنع إذلال مصر من جهّة أخرى، بما يتيح لاحقًا إطلاق مسار تفاوضي تحت رعاية أميركية حصرية. بل إنّ كيسنجر أبلغ الرئيس السوري حافظ الأسد في شباط 1974 أنّ الحرب وحدها يمكن أن تطلق مبادرة دبلوماسية أميركية فعّالة، وهو ما استوعبه السادات وتصرّف على أساسه.

من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات (1974-1979)

بعد الحرب، أطلق الدكتور هنري كيسنجر ما عُرف بـ "الدبلوماسية المكوكية" (shuttle diplomacy)، حيث نجح في التوصّل إلى اتفاقيات فكّ الاشتباك في سيناء (Sinai Disengagement Agreements) بين مصر وإسرائيل خلال الفترة 1974-1975. ولم تكن هذه الخطوات التدريجية غايات بحدّ ذاتها، بل ساهمت في تخفيف التوتّرات وبناء قدر من الثقة، إلى جانب ترسيخ الدور الأميركي كوسيط رئيسي في العملية التفاوضية.

غير أنّ السادات كان ينظر منذ البداية إلى تسوية سياسية شاملة ودائمة. وفي خطوة غير مسبوقة وطموحة، ألقى خطابًا أمام البرلمان المصري في 9 تشرين الثاني 1977، قال فيه إنّ إسرائيل "سوف تُفاجأ عندما تسمعني أقول لكم إنّني مستعدّ للذهاب إلى أقاصي الأرض، وحتى إلى ديارهم، إلى الكنيست نفسه، لأحاورهم، من أجل ألّا يُصاب جندي مصري واحد بجراح".

بالفعل، وبعد عشرة أيام فقط (في 19-21 تشرين الثاني 1977)، أصبح السادات أوّل قائد عربي يزور إسرائيل ويخاطب الكنيست، فاتحًا بذلك مسارًا نحو السلام. وقد تُوّجت هذه المبادرة بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد (Camp David Accords) في 17 أيلول 1978، والتي أدّت لاحقًا إلى توقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية (Egypt-Israel Treaty of Peace) في 26 آذار 1979.

وبذلك أنهت المعاهدة فعليًا حالة الحرب (state of war) بين الطرفين، ورسّخت صيغة "الأرض مقابل السلام"، حيث وافقت إسرائيل على الانسحاب الكامل من شبه جزيرة سيناء، فيما اعترفت مصر بإسرائيل وقامت بتطبيع العلاقات معها.

فبالنسبة للقاهرة، حقّقت المعاهدة هدفها الأساسي المتمثّل في استعادة سيناء. وبالنسبة لإسرائيل، فقد أزالت أكبر تهديد عسكري عربي لها. أمّا بالنسبة للولايات المتحدة، فقد عزّزت نفوذها في الشرق الأوسط وأمّنت نظامًا إقليميًا مستقرًّا منسجمًا مع مصالحها في حقبة الحرب الباردة (Cold War) بين 1945-1990.

كلفة السلام والإرث الدائم للسادات

دفع السادات في نهاية المطاف ثمن نهجه ورؤيته. فقد واجهت مصر عزلة مؤقّتة داخل العالم العربي (إذ جرى تعليق عضويّتها في جامعة الدول العربية، ونُقل مقرّ الجامعة لاحقًا من القاهرة إلى تونس، قبل أن تعود مصر إلى عضويتها في أيار 1989). إضافةً إلى ذلك، وفي 6 تشرين الأوّل 1981، اغتيل السادات على يد أعضاء من تنظيم الجهاد الإسلامي المصري (بقيادة الملازم خالد الإسلامبولي) خلال عرض عسكري في القاهرة.

ومع ذلك، يبقى نهجه علامة فارقة في دبلوماسية الشرق الأوسط. فقد أظهر إمكانية الحوار والتفاوض، حتى بين خصوم تاريخيين، لحلّ خلافات جوهرية، وأسهم في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة. ورغم الجدل الذي رافق سياساته، فإنّها أدّت إلى استعادة الأراضي المصرية المحتلّة (والتي اكتملت في 25 نيسان 1982)، ومهّدت الطريق لسلام مستدام بين مصر وإسرائيل. كما أنّ خلفاءه، سواء حسني مبارك أو محمد مرسي (المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين) أو عبد الفتاح السيسي، لم يسعوا إلى إلغاء اتفاقية السلام، إدراكًا منهم لصلابتها وأهمّيتها للأمن القومي المصري والاستقرار والمصالح الوطنية.

وقد دفع ذلك الدكتور هنري كيسنجر إلى القول في كتابه "The White House Years": "لقد امتلك [السادات] الجرأة لخوض حرب لم يعتقد أحد أنّه قادر على الاستمرار فيها؛ والاعتدال للانتقال إلى السلام فورًا بعدها؛ والحكمة لتغيير مواقف ترسخت لعقود".

في الختام، إنّ الدرس المستفاد للبنان لا يكمن في استنساخ المسار المصري، بل في فهم منطقه الأساسي: فالتفاوض الفعّال يتطلّب مزيجًا من عناصر القوّة التفاوضية، والوضوح الاستراتيجي، والوساطة الخارجية من أطراف ذات مصداقية وقدرة. وبدون هذه العناصر، يظلّ الدبلوماسية معرّضة للبقاء عالقة في حالة الجمود ذاتها التي سعت القاهرة، ونجحت في نهاية المطاف، في تجاوزها. وكما قال الرئيس المصري أنور السادات: "أي سلام لا يقوم على العدالة والاعتراف بحقوق الشعوب، هو بناء من رمل ينهار تحت أوّل ضربة".