راشيل علوان

"حرب الممرّات" تُعيد تشكيل السيطرة على شرايين العالم

3 دقائق للقراءة
الوضع في "هرمز" لا يمكن عزله عن سياق أوسع يمتدّ إلى ممرّات أخرى (رويترز)

في عالمٍ يعتمد بشكل شبه كامل على النقل البحري لنقل الطاقة والسلع، تصبح المضائق والقنوات الاستراتيجية مفاتيح حقيقية للقوّة العالمية، ما يجعل الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية قرب مضيق هرمز اليوم ذات بعد جيوسياسي، ويمثل ملامح ما يمكن تسميته "حرب القرن على الممرّات البحرية". فمن يسيطر على الممرّات، يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي. نفوذ يسعى بلا شك ساكن البيت الأبيض إلى توسيعه.

في خضمّ هذا المشهد، تعود كوبا إلى الواجهة كموقع جيوسياسي بالغ الحساسية، وكجزء من معادلة السيطرة على الممرّات البحرية في الكاريبي، من بوابة قناة بنما. فموقعها بالقرب من الولايات المتحدة وعلى مدخل خليج المكسيك يمنحها أهمية استراتيجية في مراقبة وتأمين خطوط الملاحة. وقد عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طرح كوبا كأولوية في خطابه بعد إيران، وكأنها استكمال مباشر لمسار لم يُحسم في بنما، وعودة إلى فكرة السيطرة الكاملة على الممرّ الكاريبي الممتدّ حتى الأطلسي.

وبالفعل تشهد قناة بنما اليوم ضغطًا متزايدًا، سببه إقفال إيران هرمز والحصار الأميركي، وتعمل القناة في حدّها الأقصى بنحو 37 إلى 40 سفينة يوميًا، مع توجّه المشترين الآسيويين إلى النفط والغاز المسال الأميركي الذي يُنقل من الأطلسي عبر القناة إلى المحيط الهادئ. حتى باتت قناة بنما تشكّل اليوم ليس فقط ممرًّا تجاريًا، بل نقطة اختناق استراتيجية. وأي اضطراب فيها، سواء بسبب ضغط مفرط أو توترات سياسية، يمكن أن يعطّل حركة التجارة بين آسيا والأميركيتين. والنتيجة هي ازدحام متزايد وارتفاع حادّ في التكاليف، مع دفع السفن ملايين الدولارات للحصول على أولوية العبور، وهي كلفة يُرجّح أن تنعكس على المستهلكين عبر ارتفاع أسعار الطاقة والشحن.

يُظهر الضغط على قناة بنما كيف يمكن لأي اضطراب في ممرّ بحري واحد أن ينتقل سريعًا إلى ممرّات أخرى، ما يعزّز أهمية إبقاء طرق التجارة العالمية مفتوحة بالنسبة إلى الولايات المتحدة للحفاظ على تدفق التجارة ونطاقها الاقتصادي. لكن هدف واشنطن يذهب إلى ما هو أبعد من تأمين الملاحة البحرية، الهدف الأعمق هو ضمان القدرة على التحكّم في تدفقات التجارة العالمية. فالسيطرة على الممرّات تعني القدرة على فرض عقوبات اقتصادية فعّالة، التأثير على أسعار الطاقة والسلع، توجيه سلاسل الإمداد العالمية وتعزيز النفوذ السياسي على الحلفاء كما الخصوم. بعبارة أخرى، يسعى ترامب إلى إعادة رسم خريطة السيطرة على طرق التجارة العالمية.

الحديث عن احتمال المواجهة المفتوحة في مضيق هرمز لا يمكن عزله عن سياق أوسع يمتدّ إلى ممرّات أخرى، من باب المندب فالسويس، اللذين يشكّلان مع هرمز الشرايين الرئيسية للتجارة والطاقة بين الشرق والغرب، وصولًا إلى مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا، أكثر الممرّات ازدحامًا في العالم، فمضيق جبل طارق الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط، وقناة بنما. "حرب الممرّات" تنتقل من مجرّد سيناريو نظريّ، إلى واقع يتشكّل تدريجيًا. في هذا السياق، تبدو استراتيجية واشنطن واضحة: توسيع النفوذ عبر السيطرة على الشرايين الحيوية للعالم. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: هل سيؤدّي هذا التوجّه إلى استقرار النظام العالمي أم إلى مزيد من التصعيد؟