أورور كرم

الاتفاق مع أميركا ضرورة وجودية لإيران

3 دقائق للقراءة
تواجه إيران اليوم اهتزازًا تدريجيًّا في معادلة الشرعية (أ ف ب)

لا تفاوض كلّ الدول لأنها تريد ذلك. بعض الدول تفاوض لأنها لم تعد تملك ترف الرفض. وفي حالة إيران، لم يعد الحديث عن اتفاق مع الولايات المتحدة مجرّد خيار ضمن أدوات السياسة الخارجية، بل تحوّل إلى مسألة تتصل ببنية النظام نفسه، ببقائه، بوظيفته، وبقدرته على الاستمرار كما هو.

القراءة السطحية تختزل المسألة في العقوبات والاقتصاد. صحيح أن الضغط المالي بلغ مستويات غير مسبوقة، وأن الخسائر اليومية وتراجع العملة وتآكل القدرة الشرائية، كلّها عوامل تدفع طهران نحو الطاولة، لكن هذه ليست سوى الطبقة الأولى من الأزمة. ما يجري أعمق من ذلك بكثير.

تواجه إيران اليوم اهتزازًا تدريجيًّا في معادلة الشرعية التي ارتكز عليها النظام منذ 1979. هذه الشرعية لم تكن يومًا اقتصادية بحتة، بل تأسّست على ركيزة أساسية: تصدير الثورة الإسلامية والهيمنة الإقليمية، لذا اختارت القضية الفلسطينية منطلقًا لها.

من هنا، لم يعد الاتفاق مع أميركا تنازلًا سياسيًا فحسب، بل محاولة لإعادة ضبط هذه المعادلة. النظام لا يسعى فقط إلى تخفيف العقوبات، بل إلى شراء الوقت لإعادة إنتاج نفسه بشروط أقلّ كلفة. إنه، عمليًا، يبحث عن هدنة استراتيجية تسمح له بالتنفس، من دون أن يظهر بمظهر المتراجع.

لكن المفارقة أن ما تحتاجه إيران للبقاء، يتناقض مع ما تعتبره أساس بقائها. إن أيّ اتفاق فعليّ يتطلّب بدرجات متفاوتة تقييد البرنامج النووي، وضبط السلوك الإقليمي، وربّما فتح الباب أمام إعادة اندماج تدريجيّ في النظام الدولي. وهذا يعني عمليًا تقليص الدور الذي بنت عليه نفوذها طوال عقود.

هنا تكمن العقدة الحقيقية: إيران ليست مجرّد دولة تسعى إلى اتفاق، بل هي نظام بُني على فكرة الصراع. والتخلّي عن أدوات هذا الصراع ليس قرارًا تقنيًا، بل تحوّلًا بنيويًّا في تعريف الذات السياسية.

في المقابل، لا تبدو أميركا معنيّة بحسم هذا التناقض، بقدر ما تسعى إلى إدارته. الهدف ليس إعادة تشكيل إيران، بل منعها من تجاوز خطوط معيّنة: سلاح نووي، انفجار إقليمي شامل، أو تهديد مستدام لمصالحها ومصالح حلفائها. لذلك، يصبح الاتفاق المحدود خيارًا واقعيًا. اتفاق يجمّد، لا يحلّ، يخفف، لا ينهي.

وسط هذا التعقيد، تتصرّف طهران بعقلية مزدوجة: تفاوض بجدّية، وتناور بشراسة. تتمسّك بحق التخصيب، وتلوّح بمضيق هرمز، وتُبقي ساحاتها الإقليمية نشطة، ليس لأنها تريد الحرب، بل لأنها تعرف أن أوراقها التفاوضية مرتبطة بهذه الأدوات. لكنها في الوقت عينه تدرك أن استخدامها الكامل قد يسرّع ما تحاول تفاديه.

في النهاية، لا يمكن فهم السلوك الإيراني من زاوية واحدة. فهو ليس فقط سلوك دولة تحت الضغط، بل سلوك نظام يحاول تأجيل لحظة التحوّل. الاتفاق مع أميركا، بهذا المعنى، ليس نهاية الصراع… بل وسيلة لإدارته بشروط أقلّ خطورة. لكن هل تستطيع إيران أن توقع اتفاقًا يضمن بقاءها… من دون أن يغيّرها؟

الجواب، على الأرجح، لا. فكلّ اتفاق حقيقيّ، مهما بدا محدودًا، سيحمل في داخله بذور تغيير تدريجي في سلوك الدولة، في أولوياتها، وربّما في تعريفها نفسها. قد تنجح طهران في تأجيل هذا التحوّل، في تخفيف حدّته، أو في إعادة صياغته بما يتناسب مع سرديتها، لكنها لن تستطيع الهروب منه بالكامل. وهنا تكمن المفارقة: ما تحتاجه إيران اليوم لتستمرّ، هو نفسه ما سيجبرها، عاجلًا أم آجلًا، على أن تغيّر سلوكها.