د. ميشال الشماعي

إيّاكم والفشل هذه المرّة!

16 كانون الثاني 2021

02 : 00

ظاهرة غريبة تعصف في عالم اليوم. فالتيّار الديكتاتوري الذي أُسقِطَ بمحاولة الضربة القاضية التي فشلت في الحرب الكونية الثانية، يطلّ برأسه من جديد. ولكن هذه المرّة محصّناً بمجموعة دول، مثل الصين التي مدّدت سلطة حكم رئيسها شي جين بينغ إلى مدى الحياة، كما أعيد انتخاب الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا مرّة رابعة في ثمانية عشر عاماً. وما سقوط حلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التجديد لولاية ثانية إلا ضربة من الفكر الديموقراطي لكلّ من تسوّله نفسه في إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء.

هذا في عالم الغرب المتمدّن والشرق الأقصى. أمّا في العالم الاسلامي الذي ما زال يتمتّع ببذور الديموقراطية اليافعة في بعض دوله، فلقد عدّل الرئيس التركي نظام الحكم في بلده، وجعله رئاسياً، وتابع توغّله في داخل الشمال السوري لناحية الغرب، مع وضعه ثقله العسكري في أزمة شرق المتوسّط وليبيا.

كذلك برزت الثورة الاسلامية في إيران لتحقيق نظام ولاية الفقيه؛ حيث صار اليوم السيّد علي الحسيني خامنئي صاحب السلطة المطلقة والتي فاقت حتّى الدستور بصفة "المرشد الأعلى"، وصار يمدّ سلطته إلى خارج حدود إيران لنشر نظريّة "الولي الفقيه" حتّى طالت شواطئ لبنان مع وجود "حزب الله" فيه، والذي لم يخفِ مشروعه يوماً بحسب ما قالها الشيخ نعيم قاسم في كتابه "حزب الله": المنهج، التجربة، المستقبل"، وفي الصفحة 40 منه: "نؤكّد أنّنا مقتنعون بالإسلام عقيدة ونظاماً، فكراً وحكماً... وندعو الجميع إلى الإلتزام بتعاليمه على المستوى الفردي والسياسي والاجتماعي". ويتابع: "على قاعدة الاختيار الحرّ والمباشر من قبل الناس، لا على قاعدة الفرض بالقوّة كما يخيّل للبعض".

يخيّل إلى القارئ أنّ هذا النصّ طوباوي، لكن يتابع في الصفحة 42 رافعاً الخيارات من الانسانية إلى الإلهية فيقول: "ليس من حقّ أحد أن يلغي أي فكرة منه ( النظام الاسلامي)... أو يعترض على هذه القناعة المرتبطة بالايمان بأحقيّة النظام الإلهي على غيره، لكن للأداء العملي مقوّماته وطروحاته الموضوعية". وهذا ما لم نشهده في أيّ نظام من الأنظمة في العالم. حيث تمّ رفع مرتبة النظام إلى الإلهي، وليس تأليه الشخص فحسب، بل تأليه النظام. وهنا الخطورة في الموضوع.

فـ"الحزب" صار في مراحل متقدّمة من إقرار مشروعه الإلهي، ولو لم يعلن ذلك، يبقى أن يدخل في المرحلة الأخيرة التي يجاهر في مطالبته بها تحت ذريعة "المؤتمر التأسيسي". والمفارقة في ذلك انه يعتمد الاستراتيجيّة "الغَيْرِيَّة " فيدفع بمن قرّر رهن نفسه له بالمطالبة بما هو يضمرُهُ. وهنا ينبري الوزير باسيل منصّباً نفسه الناطق الرسمي باسم "الحزب"، تحت ذريعة تطوير النظام.

ويستفيد "الحزب" من هذه الموجة العالمية التي أشرنا إليها آنفاً ليستثمر في مشروعه الإلهي المرتبط بمشروع الثورة الاسلامية تحت راية الولي الفقيه. وهو يمارس الترهيب بقوّة سلاحه، والترغيب بوهجه، ليحقّق للمتعاملين معه رغباته وليس رغباتهم. ويبقى في ذلك كلّه الغائب الوحيد في هذه الطروحات هو لبنان والكيانية اللبنانية التي لم يُشِرْ إليها ولو مجرّد إشارة. لا اعتراض على فكر أيّ مكوّن حضاري في لبنان، بل الاعتراض هنا على القول بشيء والعمل بعكسه. فلا يحقّ لأحد فرض مشروعه تحايلاً على أترابه اللبنانيين. وما العرقلة التي يمارسها في كبح عجلة الحكومة والدولة في لبنان إلا للدفع قدماً في تحقيق مشروعه، ولكن غَيْرِيّاً وليس بوساطته مباشرة، لأنّه أيقن أنّ اللبنانيين الكيانيين لا يُطوَّعون بالقوّة. لذلك باتت اليوم الدعوة ملحّة لإسقاط هذا المشروع الذي تحقّقت أولى غاياته في 6 شباط 2006، وذلك بتعاضد الكيانيين في جبهة مستقلّة واحدة، من دون رفع السقوف إلى ما لا نهاية كي لا تسقط في تحقيق المحال. وإذا فشلت هذه القوى لمطامع شخصيّة لبعض منها فعلى لبنان السلام.

إيّاكم والفشل هذه المرّة لأنّ التاريخ مليء بالانتكاسات، كذلك هو حافل باليقظات التي تحبط التخاذل وتقوّم المعوج. لكنّ ذلك يقتضي منّا ككيانيين أن نكون في قلب التطوّرات، لا على هوامشها، حتّى ننجح برفع الانسان اللبناني المنغمر كينونياً كفرد في هذه الأنظمة، توصّلاً لإعادته إلى مرتبة الشخص البشري فيتحرّر.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.