رمال جوني

النبطية على وقع النزوح مجددًا

دقيقتان للقراءة

لم يكن صباح النبطية أمس  هادئًا. غارات زوطر الغربية والقصف المدفعي الذي طاول بلدات يحمر وأرنون ومرتفعات علي الطاهر في النبطية الفوقا، خرق هدوء الصباح وفرض واقعًا جديدًا من النزوح القسري. تزاحمت السيارات على الطرقات، حمل الأهالي أمتعتهم من جديد، رفعوا الفرش على أسطح السيارات، وساروا نحو مجهولٍ آخر.

كان هدير المقاتلات الحربية أعلى من أي تفكير بالتريّث. لم يملك الناس ترف انتظار جلاء المشهد: هل هي حرب جديدة أم تصعيد يعقبه هدوء؟ الغارات، ثم إنذار المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لسبع بلدات في منطقة النبطية - يحمر، أرنون، زوطر الشرقية، زوطر الغربية، ميفدون، شوكين وكفرتبنيت - كانت القشة التي قصمت ظهر الناس.

وقف عمار حزينًا. أبٌ لأربعة أولاد، خسر قدمه بلغمٍ أرضي من مخلفات الاحتلال بعد تحرير عام 2000. عاد لتوّه من نزوحٍ سابق، ليجد نصف منزله مدمّرًا. قرر السكن في الجزء الصالح منه، لكن العدوان الجديد دفعه للنزوح مرة أخرى. يقول: "المدرسة التي كانت تؤويني باتت مكتظة، لا مكان لي… فاتجهت نحو المجهول".

يوم آخر من الرعب والقصف عاشته بلدات النبطية. يروي عمار، ابن زوطر الشرقية، لحظاتٍ مرعبة من القصف العنيف الذي طال البلدة بعيد التاسعة صباحًا: "كانت زوطر الشرقية تعجّ بأهلها. نساء وأطفال بدأوا يصرخون من شدة القصف المدفعي الذي سقط بين المنازل. كنا عاجزين عن استيعاب ما يحدث. كل شيء كان متسارعًا. تبع القصف غارات على البلدة وعلى زوطر الغربية، وكان الخوف ملازمًا للأهالي".

لم تكد منطقة النبطية تلتقط أنفاسها بعد الحرب. كان أهلها يستعدون لمعاودة العمل، وبعضهم فتح محاله ومصالحه، حتى في ذروة الغارات والقصف، في لحظة رفضٍ لإقفال الأبواب من جديد. لكن استهداف دوار كفرتبنيت أثناء عبور الأهالي نحو مناطق أكثر أمنًا، بعد التهديد الذي طال البلدة، بدّل المعادلة. دفع الناس إلى الرحيل، وخلف الدخان المتصاعد كان صوت الوجع يخرق المشهد: شهداء وجرحى، وخوفٌ كثيف في الوجوه.

عاد مشهد الحرب بكل تفاصيله. أُقفلت المحال، وفرغت القرى من جديد، ليعمّ هدوءٌ ثقيل تسكنه الغارات وهدير الطائرات والقصف المدفعي. وبين الأهالي سؤال يتجدّد: ماذا عن الهدنة التي مُدّدت ثلاثة أسابيع؟ هل سقطت؟ هل دخلنا حربًا شاملة أوسع؟ المؤكد أن الحرب عادت لتفرض أوزارها وسط ضبابية الأحداث وثقل ما تحمله الأيام المقبلة.