د. نبيل خليفة

حروب المنطقة: من تأكيد الذات... إلى استخدام المفاوضات!

5 دقائق للقراءة

تشهد منطقة الشرق الأوسط سلسلة حروب مدمّرة بين دولها وشعوبها وأديانها وجماعاتها. ويتركّز مسار الحرب بين جبهتين: الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر. على أن تطاول نيران الحرب معظم دول المنطقة ومنها لبنان. وما يميّز هذه المنطقة أنها تحوي على ما يقارب 60 % من نفط العالم وغازه. ولهذا كان هنري كيسنجر يقول: إن من يسيطر على خط الوسط العالمي يسيطر على العالم أجمع. وهو يعني الخط الممتدّ من إيران شرقًا إلى المغرب غربًا. إنها المنطقة التي تحوي أكبر حشد أقلويّ في العالم إذ فيها 59 أقليّة تتوزع هكذا:

26 أقلية دينيّة

17 أقلية إثنيّة

و 16 أقلية لغوية

وتعود هذه الكثافة الأقلويّة إلى عاملين:

الأوّل، الموقع الجغرافي للشرق الأوسط على خريطة العالم وبالتالي على أحداث التاريخ وتطوّرات الشعوب والأمم.

الثاني، كونه مركزًا لنشوء الديانات التوحيديّة الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام والتي تفرّعت منها أكبر نسبة من الأقليات الدينية.

1- هذا التعدّد في الأقليات خلق إشكالية في نشوء الدول: هل قيام الدولة يرتبط بالدين أم بالقومية أم بالأقلية في طبعتها الدولاتية (étatique)؟ وفي هذا الإطار قامت صراعات دينية وقومية وأيديولوجية تسعى فيها كل جماعة (communauté) لتغليب تجربتها الذاتيّة. النموذج البارز في ذلك، هو إسرائيل حيث أصرَّت الجماعة اليهودية على قيام دولة يهودية في فلسطين تأكيدًا لأيديولوجيتها الصهيونية التاريخية. بل أكثر من ذلك سعت لإقامة دويلات طائفية في المنطقة يكون وجودها معززًا لوجود إسرائيل الدولة الصهيونيّة.

وفي هذا الهدف، يكون الكثير من أسباب الحروب التي شهدتها ولا تزال تشهدها المنطقة بين إسرائيل وجيرانها العرب والفرس في آن. الطابع المميّز لهذه الحروب المستمرة منذ منتصف القرن العشرين إلى اليوم هو كونها حروبًا مصيرية، فالمطروح فيها مصير الدولة أي وجودها بالذات. وهذا ما يفسّره قول الإمام الخميني بأن الهدف هو "محو إسرائيل عن خريطة العالم".

2- وفي هذا الإطار يمكن فهم الصراع حول امتلاك إيران القنبلة النووية. وموقف الولايات المتحدة وإسرائيل الحاسم بعدم السماح بامتلاك إيران هذا السلاح. لأن ذلك سيسمح لإيران بتدمير إسرائيل. لهذا كان الشرط الأساسي والأول لأميركا وإسرائيل في مفاوضاتهما مع إيران بواسطة باكستان حول إنهاء الحرب هو القبول بهذا الشرط الأساسي من جانب إيران. وهو ما زال يشكّل عقدة في المفاوضات بين الجانبين. يضاف إليه مصير المواد النووية التي تمتلكها إيران ولمن ستسلّم وما سيكون عليه مصيرها. إذًا، سلاح المواد النووية كما الأسلحة النووية ستكون محكومة بضمانات كاملة تؤمّنها الوكالة الدولية للطاقة النووية، وتشرف عليها وعلى وجودها وكميتها وأسلحتها ونسبة التخصيب فيها. باختصار، تهدف حرب أميركا وإسرائيل على إيران، أول ما تهدف، إلى منع الدولة الفارسية من امتلاك أسلحة نووية على مدى طويل حددّته إسرائيل مبدئيًا بـ 20 سنة. تكون فيها إيران غير قادرة على إنتاج واستملاك سلاح نووي. إن عدم قبول إيران بهذا الشرط المفروض من الثنائي الأميركي- الإسرائيلي هو الذي يمنع حتى الآن الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب بين الجانبين.

3 - في الجانب الآخر من الصراع، أي في الجانب اللبناني - الإسرائيلي، فقد حدثت مفاجأة بإعلان الرئيس اللبناني جوزاف عون الدعوة إلى مفاوضات بين لبنان وإسرائيل تؤدي إلى قيام سلام بين البلدين. وهذه المبادرة أثارت، ولا تزال تثير، العديد من التساؤلات على الرغم من النوايا الطيّبة والحسنة لدى الرئيس اللبناني، ذلك أن العلاقات العربية بإسرائيل كانت منذ البداية علاقات مشوبة بالتساؤلات والمخاطر. حتى الرؤساء العرب الكبار من عبد الناصر إلى أنور السادات كانوا يخشونها ويتجنبونها. فما القول بمبادرة رئيس عربي مسيحي اتخذ مثل هذه المبادرة؟

إن الرعاية الأميركية، وخاصة الرئيس الأميركي ترامب، لهذه المبادرة تمنحها مصداقية على الصعيد الدولي. ولكن الأسئلة تظلّ قائمة في لبنان والعالم العربي حول مصداقية هذه المبادرة لأن لإسرائيل صورة سيئة في الذهن العربي منذ قيامها في أواخر الأربعينات من القرن الماضي.

4- إن الإطار القانوني العام لقيام مبادرة الرئيس عون للسلام هو المبادرة العربية للسلام التي أعلنت في مؤتمر بيروت عام 2002 وفيه دعوة لإسرائيل لكي تجنح للسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي مع ما يرافق ذلك من انسحاب من الأراضي العربية المحتلة والتوصل لحلّ عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

فإذا قامت إسرائيل بذلك تعتبر الدول العربية النزاع العربي - الإسرائيلي منتهيًا، وتدخل في اتفاقية سلام مع إسرائيل ومن ثم إنشاء علاقات طبيعية معها في إطار هذا السلام الشامل.

هذه هي الأسس التي قامت عليها المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل وهي مبادرة لا تزال صالحة لكي تشكّل المرجعية الشرعية والدولية لقيام سلام بين الدولة العبرية والدول العربية ومنها لبنان.

... إنها المرجعية والضمانة في آن.