خسر أمس المطرب المصريّ هاني شاكر (1952 - 2026) معركته مع مرض أخير لم يُعِده إلى جمهوره. على سرير أحد مستشفيات "مدينة النور" باريس انطفأ ذاك الذي لم نشعر أنه بلغ 74 عامًا إلا حين بحثنا عن سيرته لنكتب عن رحيله. مات هاني شاكر بعدما عاش ملايين العرب قصص حبّهم ولوعة الخيانة ومأساة الفراق، من خلال أغنياته. فمن كان "أمير الغناء العربي"؟
يوم انطلق المطرب الراحل هاني شاكر في طريق احتراف الغناء مطلع سبعينات القرن العشرين، كانت مصر ومعها العالم العربي ما يزالان تحت سطوة كبار المطربين والمطربات الذين ملأوا "العصر الذهبي" شدوًا، وإلى جانبهم عشرات الشعراء والملحنين الذين رسموا لأولئك الفنانين هويّاتهم في عالم الغناء والطرب.
كانت ليالي مصر ما تزال معقودة لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش. وكان عبد الوهاب والسنباطي والموجي والطويل مستمرّين في توزيع أنغامهم على وردة وصباح وشادية وفايزة ونجاة ورشدي وفؤاد وسواهم.
تزامنًا، مصر "الولّادة"، كانت تُعدّ تحت رعاية الكبار وبدعم منهم أحيانًا، براعم جيل جديد من شعراء وملحنين ومغنيات ومغنين سيحملون للأجيال المقبلة شعلة الأغنية المصريّة والعربيّة نحو عقود تالية. هكذا بدأ يلمع على "شطّ النيل"، حلمي بكر وعمّار الشريعي وسيّد حجاب وفاروق شوشة وعبد الوهاب محمد وعلي الحجّار ومحمد الحلو ومدحت صالح وإيمان البحر درويش وسميرة سعيد وناديا مصطفى وعفاف راضي وميادة الحناوي وياسمين الخيّام وعزيزة جلال، وآخرون. وكان هاني عبد العزيز شاكر شادي، واحدًا من تلك الكوكبة.
هو من مواليد 21 كانون الأول 1952 في القاهرة، أطلّ مبكّرًا في برامج وأعمال فنية مخصصة للأطفال عبر الإذاعة والتلفزيون، مثل برنامج "أبلة فضيلة"، فبرزت موهبته الصوتية التي صقلها لاحقًا بالدراسة.
كان في الثامنة من سنيه حين ظهر على الشاشة مؤدّيًا مع الفنان إسماعيل ياسين، أغنية "المسحّراتي (يلا بينا يلا)" المخصصة لشهر رمضان. وفي سنة 1963 اختير مع مجموعة من أطفال برامج التلفزيون لتشكيل كَورسٍ سيرافق "العندليب الأسمر" عبد الحليم حافظ وهو يؤدّي أغنيته الوطنية "بالأحضان" (صلاح جاهين/كمال الطويل).
ثمّ أطلّ سنة 1966، في فيلم المخرج أحمد بدرخان، "سيّد درويش"، من بطولة هند رستم وكرم مطاوع، حيث اختير شاكر من بين عشرات الأطفال المتقدّمين لأداء دَور الموسيقار سيّد درويش طفلا.
حلوة يا دنيا
لكن الانطلاقة الفعلية لهاني شاكر في عالم الغناء سوف تكون على يد الملحن المعروف محمد الموجي الذي وضع للمغني الشاب سنة 1972، أغنية بعنوان "حلوة يا دنيا"، من كلمات فتحي الغندور.
الصوت الجديد سرعان ما لفت الجمهور والصحافة معًا، لكن أيضًا سرعان ما أطلق بعض الأقلام حبره ناسجًا قصّة "مؤامرة" أعدّها الموجي من خلال هاني شاكر ضدّ عبد الحليم حافظ الذي بدوره توجّس من صاحب الصوت "الحليميّ" أداءً، خصوصًا وأن الموجي صديق "حليم" وأحد أبرز ملحّني أغنياته، هو نفسه من أطلق هاني شاكر واحتضنه. "سوء الظن" ذاك لم يطل أمده، حيث أطلّ هاني شاكر لاحقًا في حفل مشترك مع عبد الحليم حافظ تشاركا فيه الغناء، ثم حضر الأخير حفلًا آخر للأول وكان الفنان الكبير مهتمًّا بمتابعة التحضيرات للسهرة والإشراف على جودة الصوت في القاعة، على ما روى شاكر لاحقًا في مقابلات معه.
رومانسية وشجن
رسم الفنان هاني شاكر لونه الغنائيّ منذ أعماله الأولى، فأجاد تقديم الأغنية الرومانسية المغلّفة بالشجن والميّالة إلى الكلاسيكيّة، من دون أن يهمل لاحقًا التطوّر ومواكبة الزمن مع تقدّم السنوات، ساعده في ذلك طبقة صوته وأسلوبه في الأداء.
منذ منتصف السبعينات وحتى قبيل مرضه الأخير، استمرّ الفنان الراحل هاني شاكر في تقديم الأغنيات، فرادى أو ضمن أسطوانات، متعاونًا مع أبرز شعراء وملحّني زمنه، فترك للمكتبة الغنائية المصرية والعربية عناوين لن يطويها الزمن وإن طوى صاحبها الردى. وتبقى في البال أغنيات مثل: طول عمري استلطفك - بعشق ضحكتك - ما تهدديش - كلّه يهون - اليوم جميل - كده برضه يا قمر - سيبوني أحب - أنا مش بعتب عليك - أصاحب مين - مشتريكي - ولا كان بأمري - عللي الضحكاية - حكاية كل عاشق - نسيانك صعب أكيد - شاور - في الحب يا قلبي - ليه ما نحلمش - غلطة - حنعيش - يا ريتني - جرحي أنا - بحبك أنا - لسّه بتسألي - بحبك يا غالي، وعشرات الأغنيات الأخرى. فضلا عن أغنيات وأدعية وابتهالات دينية، وأغنيات مناسبات.
في المشوار الفني لـ "أمير الغناء العربي" أفلام سينمائية وتلفزيونية شارك فيها ممثلا ومغنيًا: "عايشين للحب" مع محمد عوض ونيللي (إخراج أحمد ضياء الدين) - "عندما يغني الحب" مع ناهد يسري وعادل إمام (إخراج نيازي مصطفى)، "هذا أحبّه وهذا أريده" مع نورا وحمدي حافظ (إخراج حسن الإمام)، "عيون لا ترى الحب" مع شيرين (إخراج محمد السيد عيسى). وفي السبعينات قدّم مع نيللي المسرحية الغنائية "سندريلا والمدّاح"، ومع فايزة أحمد ولبلبة المسرحية الوطنية "مصر بلدنا".
الفنان النقيب
تولّى هاني شاكر منصب "نقيب الموسيقيين المصريين" عام 2015، حيث اتخذ إجراءات وقرارات تنظيميّة عدّة للقطاع والعاملين فيه، قبل استقالته سنة 2022 على خلفية أزمة مع ما يُعرف بمغني المهرجانات في مصر.
مأساة
عام 1982 ارتبط الفنان هاني شاكر بالزواج من السيدة نهلة توفيق، ولهما ابنة هي دينا التي توفيت بالمرض العضال سنة 2011، تاركةً مأساة في أسرتها وحزنًا كبيرًا عانى منه والدها لسنوات قبل أن يتمكّن من معاودة نشاطه الفني والغنائي. لشاكر ابنٌ أيضًا، هو شريف الذي رافق مع والدته نهلة، والده خلال رحلة علاجه بين القاهرة وباريس، ونعاه أمس كاتبًا: "أنعى والدي وصديقي وضهري وسندي وحبيبي وأخويا... فقدتُ روحي وأقرب إنسان إلى قلبي".
وتقديرًا للمشوار الفنيّ الطويل الذي خاضه هاني شاكر والذي ناهز 55 سنة، نال الفنان جوائز وتكريمات من مصر والعالم العربي، بينها وسامان رفيعان من تونس وفلسطين.
هاني شاكر ولبنان كما حال معظم فناني مصر، لم يكن الفنان الراحل هاني شاكر بعيدًا من لبنان. فهو أحيا حفلات عدّة في مواضع متفرقة منه، وحلّ ضيفًا على العديد من برامجه الغنائية والحواريّة عبر مختلف القنوات التلفزيونية المحليّة، أو العربية التي كانت تصوّر برامجها في ربوعه. كما ارتبط بصداقات مع العديد من فنانيه، ومنهم "النجم العربي" وليد توفيق. وفي السنوات الأخيرة تولّى إدارة أعمال هاني شاكر متعهّد الحفلات خضر عكنان الذي دوّن في صفحته في "فايسبوك" خلال فترة مرض شاكر: "علاقتي بالفنان الكبير هاني شاكر لم تكن مجرّد محطة عمل، بل مسارًا متكاملا بدأ بتعهّدي حفلاته، ثم تطوّر مع الوقت حتى أصبحت مديرًا لأعماله، وموضع ثقته التي أعتز بها كثيرًا. معه، عشت لحظات مهنية لا تُنسى... هاني شاكر، كما عرفته عن قرب، ليس فقط صوتًا كبيرًا، بل قلب كبير أيضًا. دماثته ليست تفصيلا، بل جزء من كيانه... تعلّمت منه أن الأخلاق هي ما يبقى، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الحفلات، بل بكمّ المحبة التي يتركها الإنسان في قلوب من حوله...". |
"أمير الغناء العربي"... باللبناني سنة 2024 أطلق الفنان هاني شاكر أغنية باللهجة اللبنانية بعنوان "يا ويل حالي" من كلمات راميا بدور، لحن هيثم زيّاد، وتوزيع بودي نعوم. الأغنية صوّرها "فيديو كليب" من إخراج مازن نيازي. سبق تجربته اللبنانية تلك، أغنية بعنوان "كيف بتنسى" صدرت سنة 2021، لحّنها له صديقه الفنان وليد توفيق من كلمات نادين الأسعد وتوزيع باسم منير. أما "الفيديو كليب" فمن إخراج هنا حافظ. وفي كانون الأول 2025 نشر شاكر في حساباته على مواقع التواصل أنه انتهى من تسجيل أغنية "إلا أنا وياك" باللهجة اللبنانية أيضًا، من كلمات مازن ضاهر، وألحان أحمد بركات، ومن توزيع زاهر ديب. لكن يبدو أن تدهور الحالة الصحية لشاكر منذ مطلع 2026 حال دون إطلاقها. وفي أرشيف هاني شاكر أغنية من ألحان الراحل الياس الرحباني نظمها الشاعر المصري محمد حمزة، بعنوان "حلو الحب"، قدّمها في فيلم "هذا أحبّه وهذا أريده". |