رفيق خوري

وحدة المسارين على الطريقة الإيرانية

4 دقائق للقراءة

المشهد سوريالي بمقدار ما هو تراجيدي. تفاوض وقتال على أرض واحدة. لبنان يفاوض إسرائيل عن نفسه ومن أجل نفسه برعاية أميركية. و "حزب الله" يقاتل الكيان الصهيوني دفاعًا عن الجمهورية الإسلامية بقرار من الحرس الثوري، وعلى حساب لبنان. البيت الأبيض يضع ثقله وراء المفاوضات، أقله في الصورة، ويصر على سحب الورقة اللبنانية من يد إيران. وطهران تقف بقوة وراء القتال الذي هو جزء من حربها وتربط مفاوضاتها مع أميركا بترك الورقة اللبنانية في يدها. ومن الصعب الوصول إلى مكان ما إذا بدا قرار الحرب في يد "الحزب" وقرار السلم في يد الدولة، مع معرفة الجميع أن قرار الحرب والسلم في أيدي إسرائيل وإيران، وعمليًا في يد الرئيس دونالد ترامب.

والتجارب ناطقة. أيام "الوصاية السورية" والتفاوض على عملية السلام التي بدأت في مؤتمر مدريد تمسكت دمشق بورقة لبنان تحت عنوان "وحدة المسار والمصير" ثم "تلازم المسارين" السوري واللبناني. فبقي الوطن الصغير "ساحة" لتصفية الحسابات فيها والتفاوض عليها. وفي آخر أيام "الوصاية الإيرانية" بعد حرب غزة وحرب الإسناد وإضعاف "حماس وحزب الله" وسحب ورقة غزة والورقة اللبنانية من يد إيران التي ضربتها أميركا وإسرائيل بحربين، تعمل جمهورية الملالي على استنساخ "وحدة المسارين" الإيراني واللبناني على غرار التجربة السورية، وفي الحالين ضد المصلحة الوطنية اللبنانية. 

وليس من المفاجآت أن يطلب "حزب الله" من الرئيس جوزاف عون الانسحاب من المفاوضات المباشرة بحجة أنها "تنازل مجاني" بعدما طالب مجلس الوزراء بالتراجع عن قرار سحب السلاح واعتبار النشاطات العسكرية والأمنية له خارج القانون، وانضم إلى حرب الدفاع عن إيران. ولا مفاجأة حتى في تصرف "الحزب" على أساس أنه "منتصر" على العدو وعمليًا على الدولة التي تفاوض لاستعادة أرض خسرها هو، فيريد منها ترك المجال له وحده لتحرير الأرض المحتلة. لكن الوقائع قاسية. ففي حرب إسناد غزة احتلت إسرائيل خمسة مواقع حاكمة في الجنوب. وفي حرب إسناد إيران أقامت "منطقة عازلة" تضم 55 قرية تعمل على إزالتها من على الخارطة وتفصل جنوب الليطاني عن شماله. ولا أحد يعرف كيف سيعود مليون شيعي مهجر إلى أرض محروقة. وإذا استمرت هذه "المقاومة"، بصرف النظر عن شجاعة المقاتلين، فلا شيء يمنع إسرائيل من تجاوز الليطاني إلى كامل الجنوب والضاحية الجنوبية.

ومن الطبيعي أن تكثر الدعوات إلى توافق وطني قبل أية مفاوضات، مع أن القتال بدأ بأمر إیراني ضد الموقف الرسمي والتوافق الوطني بين الأكثرية الشعبية. وكل البيانات التي تركز على الدفاع عن لبنان وشعبه جرفها كلام واضح لرئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف الذي اعتبر أن "حزب الله يقاتل عن الجمهورية الإسلامية". ومن سخرية القدر أن تجعل "مقاومة الولاية" من نفسها محور الوطنية وتوزيع الشرف، وأن تتهم الأكثرية بـ "العمالة والخيانة" وتصف أركان الدولة بأنهم "سلطة الوصاية" الأميركية والسعودية.

ولا شيء يغطي أي شيء. إيران تفاوض أميركا مباشرة في ظل حرب طاحنة وحصار بحري على الموانئ، لكن التفاوض ممنوع على الأذرع الأيرانية الباقية في لبنان والعراق وصنعاء لأنها هي على طاولة المفاوضات. والسلسلة مخيفة. بعد حرب 2006، و "نصرها الإلهي" جاء القرار 1701 الذي يجعل الجنوب منطقة عمليات للجيش و "اليونيفيل" وينهي دور "السلاح والمقاومة". قبل حرب إسناد غزة كان المطروح عودة إلى اتفاق الهدنة للعام 1949. بعد الحرب صار المعمول به اتفاق وقف الأعمال العدائية وسحب السلاح غير الشرعي من كل لبنان. وبعد إسناد إيران صار المخرج من المأزق هو التفاوض على اتفاق سلام مع إسرائيل أو أقله على اتفاق أمني صارم. فهل المطلوب احتلال من أجل المقاومة؟ كل هذا بسبب القتال من أجل الآخرين بدل دعم التفاوض من أجل لبنان.

وليت هذا الدمار الرهيب للبلد هو ما سماه جوزف شومبيتر "التدمير الخلاق".