ليس ما قاله جوزاف عون في خطابه الأخير تفصيلًا عابرًا في سياق سجال سياسي مستعر، بل محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين الوعد والعهد. بين كلام قيل بوضوح يوم القسَم، وبين واقع التبس لاحقًا تحت وطأة التوازنات والرهانات.
يومها، لم يكن خطاب القسَم ملتبسًا. كان واضحًا إلى حدّ صُدمنا به. دولة واحدة، قرار واحد، وسلاح واحد. لم تكن تلك شعارات إنشائية، بل تعهدًا صريحًا بإنقاذ لبنان من ازدواجية السلاح والسطوة والقرار القاتلة، ومن واقع يُمسك فيه طرف بقرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. كان ذلك هو "الوعد". ولعل ما يعزز أهمية تلك اللحظة، أن اللبنانيين، بمعظمهم، استبشروا خيرًا. رأوا في الخطاب بداية مسار مختلف، وبابًا مفتوحًا لاستعادة الدولة من الغياب والغيبوبة والهامش.
لكن ما تلا ذلك، لم يشبه البدايات. الأشهر الأولى من العهد بدت كأنها محاولة للالتفاف على الصِدام الآتي. مقاربة تقوم على التهدئة، على استيعاب "حزب الله"، وعلى الرهان بأن "الحُسنة" قد تُنتج ما يمكن أن تعجز عنه المواجهة. خطوة إلى الأمام، وأخرى إلى الخلف. رجل في "البور"، وأخرى في "الفلاحة". لا قطيعة كاملة، ولا حسم فعلي.
في تلك المرحلة، لم يكن الغموض تكتيكًا بقدر ما كان ترددًا. وكأن العهد حاول أن يشتري الوقت، أو أن يختبر إمكانية التعايش مع معادلة يعرف، في قرارة نفسه، أنها غير قابلة للحياة. لكن المشكلة أن هذا النوع من التوازنات لم يُقرأ كما كان يُراد له أن يُقرأ. ما اعتُبر انفتاحًا من الرئاسة، فُهم في مكان آخر كارتخاء. وما قُدِّم كاحتواء، تُرجم كضعف.
ثم جاءت اللحظة التي لا يمكن تأجيلها بعد اليوم. لحظة قال فيها الرئيس بوضوح إن التفاوض مع إسرائيل ليس خيانة، بل إن من يجر البلاد إلى الحرب هو من يرتكبها. لم تكن مجرد جملة في بيان، بل إعادة تعريف للمعادلة. إعادة تموضع، أو ربما عودة متأخرة إلى نقطة البداية، إلى خطاب القسَم نفسه.
هنا، لا يعود النقاش نظريًا. فلبنان، المثقل بالحرب التي فتحها الحزب من جديد، لا يملك ترف الشعارات. التفاوض الذي طُرح اليوم ليس خيارًا مثاليًا، بل خيار الضرورة. محاولة لحماية ما تبقى، لا لتحقيق انتصار. في المقابل، فإن الاتهامات الجاهزة لا تغيّر من الوقائع شيئًا، بقدر ما تعمّق الهوة بين الدولة ومن يحتكر قرارها.
ما تغيّر فعليًا، ليس فقط في النبرة، بل في إدراك أن سياسة المساكنة القديمة وصلت إلى حدها، فيما الاحتضان غير المشروط لم يُنتج اندماجًا، بل عزز منطق التفرد. وأن الدولة، حين تتردد في فرض قراراتها، لا تُفسح المجال للتفاهم، بل تفتح الباب أمام مزيد من الاختلال.
من هنا، تبدو اللحظة الحالية مفصلية. ليس لأن مضمون الكلام تبدل، بل لأن الاختبار انتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل. اللبنانيون اليوم لا ينتظرون توصيفًا جديدًا للأزمة، بل خطوات عملية واضحة، وترجمة فعلية للقرارات التي اتُّخذت، وفي مقدمها قرارات 5 و7 آب و2 آذار، الذي اعتبر الجناح العسكري في "حزب الله" خارجًا عن القانون. تلك ليست مواعيد عابرة في الذاكرة السياسية، بل محطات اختبار لجدية الدولة في فرض سيادتها.
فالمشكلة في لبنان لم تكن يومًا في نقص المواقف، بل في غياب التنفيذ. وهنا تحديدًا يكمن جوهر التحدي: هل تتحول هذه القرارات إلى أفعال، أم تبقى حبرًا على ورق يُستعاد عند الحاجة؟
بين الوعد والعهد، مسافة تُقاس بالإرادة. وجوزاف عون يقف اليوم عند هذه المسافة تحديدًا. لا يكفي أن يكون قد قال ما يجب أن يُقال، ولا أن يكون قد استعاد نبرة الحسم. التحدي الحقيقي هو أن يفعل ما يجب أن يُفعل.
في بلد اعتاد على أن تتحول العهود إلى تسويات، والتعهدات إلى أوراق تفاوض، قد تكون هذه الفرصة مختلفة. لا لأنها تحمل ضمانات، بل لأنها تأتي بعد تجربة أثبتت أن أنصاف الحلول ليست حلولًا. الرهان اليوم ليس على خطاب الرئيس المتجدد، بل على استعادة صدقية الخطاب الأول. على أن يعود "الوعد" ليُصبح "عهدًا" فعليًا. لأن ما ينتظره اللبنانيون، في نهاية المطاف، ليس خطابًا يُطمئن، بل دولة تُطبِّق.