من بوابة المسلسل الروسيّ "Hostage"(الرهينة) الذي انطلق بث حلقاته عبر منصّة عرض في 25 نيسان الجاري، تطلّ المخرجة ميرنا خياط ممثلةً فيه، وتتقدّم من جديد إلى الواجهة لا كإسمٍ يستعيد حضوره فحسب، بل كفنانة تؤكد أن الغياب لا يعني النهاية، وأن الشغف الحقيقي لا تطفئه السنوات ولا تقهره الظروف.
سنوات ابتعاد ميرنا خيّاط عن الأضواء بدت للكثيرين صمتًا، لكنها في الحقيقة كانت زمنًا من العمل والتجارب والتحوّلات بعيدًا من الضجيج. اليوم، تعود بخطوة عالمية مختلفة، حاملة معها خبرة طويلة ورؤية أكثر نضجًا، لتفتح صفحة جديدة في مسيرة صنعت جزءًا من الذاكرة الحديثة للفن المشهديّ اللبناني والعربي.
يمكن اعتبار مشاركة ميرنا خياط في المسلسل محطة لافتة في مسيرتها الفنية، إذ جاءت بمثابة عودة إلى التمثيل في عمل يشكّل تجربة مختلفة عن كل ما قدّمته سابقًا. فمن اللحظة التي قرأت فيها النص، جذبها المشروع بما يحمله من تحدّيات فنية ومساحة تمثيلية غير تقليدية.
خارج النمطية
الدَّور لم يكن سهلا على ما تقول خيّاط في حديثها مع "نداء الوطن"، إذ تجسّد شخصية امرأة منضمّة إلى تنظيم إرهابيّ، ما تطلّب منها الخروج من الصورة النمطيّة المرتبطة بها، عبر تقديم شخصية مركّبة ومختلفة، فهي تعتبر أن الممثل الحقيقيّ هو من يقبل خوض الشخصيّات الصعبة والمغايرة، لا من يكتفي بالأدوار الآمنة.
لكن كيف وصلها هذا الدَّور أو كيف وصلت هي إليه؟ تقول المخرجة والممثلة المعروفة إن النص وصلها عبر شركة "كاستينغ" تتعاون معها منذ سنوات في تنظم ورش تمثيل. في البداية ظنت خياط أنها ستتولى تدريب إحدى الممثلات على الدّور بصفتها مدرّبة على التمثيل، قبل أن تُفاجَأ بأن الدّور معروض عليها لتؤدّيه بنفسها.
تجربة متعددة الجنسيّة
تصف ميرنا خياط مشاركتها في العمل بالتجربة العالمية بكلّ ما للكلمة من معنى، سواء من حيث طبيعة العمل أو الأجواء التي رافقت التصوير. فقد اجتمع ممثلون من جنسيّات عدّة ضمن فريق واحد، في عمل تدور أحداثه حول مجموعة فتيات من خلفيّات مختلفة يتعرّضن للاختطاف ويجدن أنفسهن في ظروف قاسية داخل منطقة خاضعة لتنظيم إرهابي.
في هذا السياق، تشير خياط إلى أن اللغة الإنكليزية كانت السائدة في موقع التصوير، حتى في أدق تفاصيل الأداء، إذ تطلّب دورها التحدث بإنكليزية "مكسّرة" تعكس هوية الشخصية العربية التي تتعامل مع رهينات من جنسيّات مختلفة. وهي إذ تؤكد أن هذا التنوّع لم يشكّل عائقًا، ترى أنه أوجد بيئة احترافية جعلت من الأداء والالتزام لغة مشتركة بين الجميع.
غياب خارج إرادتها
عودة المخرجة والممثلة ميرنا خياط إلى الساحة الفنية، تأتي بعد ابتعاد عنها صار عمره سنوات. غياب لم يكن خيارًا شخصيًا على ما تقول لنا، بل نتيجة ظروف فنية وشخصية واجتماعية واقتصادية فرضتها المرحلة الصعبة التي مرّ بها لبنان. هي ترى أن الفن من أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمات، كونه يُعتبر في كثير من الأحيان أمرًا ثانويًا مقارنة بالاحتياجات الأساسية، ما يجعل الاستمرار فيه تحديًا حقيقيًا. لذلك، تعتبر أنّ الأهم اليوم ليس التوقف عند تفسير الغياب، بل عند تثبيت الحضور من جديد.
ورغم تراجع ظهورها التمثيليّ، تؤكد أنها لم تنقطع فعليًا عن المجال الفني، إذ واصلت العمل في الإعلانات التجاريّة والأفلام الوثائقية ومشاريع إخراجيّة متعددة، وكان معظمها خارج لبنان لا سيّما في دول الخليج. في المقابل تلفت خيّاط إلى أن اسمها ارتبط بعدد من الأعمال التي بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية، من أبرزها فيلم "الفجر" (كتابة أنطوان غندور - إخراج طوني أبو الياس) الذي تناول مرحلة استقلال لبنان، إضافة إلى تجربة "فوازير رمضان" التي عُرضت على محطات عربية عدة ونالت جائزة. وتعتبر أن هاتين المحطّتَين شكّلتا علامة فارقة في مسيرتها أسهمت في ترسيخ حضورها ضمن ذاكرة جيل كامل، وهو ما تراه اليوم أكبر تكريم يمكن أن يناله الفنان بأن يبقى ثابتًا في الذاكرة رغم تغيُّر الأزمنة والظروف.
تناقضات
تنظر اليوم ميرنا خياط إلى الوسط الفني كمساحة متشابكة لا تمنح الجميع ما يستحقون، بقدر ما تكشف هشاشة العدالة فيها. فالموهبة في كثير من الأحيان، لا تجد طريقها الطبيعي إلى الضوء، إذ تبقى أسماء تملك عمقًا فنيًا حقيقيًا على هامش المشهد، فيما تتقدّم أسماء أخرى لا تعكس بالضرورة حجم الاستحقاق الذي تناله. مع ذلك، لا تتعامل خياط مع هذا الواقع كحكم قاسٍ على الفن بقدر ما تعتبره جزءًا من طبيعته المتناقضة؛ فنٌ يمنح ويمنع في الوقت نفسه، ويكتب مساراته أحيانًا بعيدًا عن الإنصاف. ورغم كل ذلك، يبقى الفن في جوهره، قادرًا على ترك أثر لا يُمحى ولا تصنعه الفرص العابرة، بل التجربة الصادقة والبصمة الإنسانية التي تظلّ حاضرة في الذاكرة حتى بعد الغياب.
انطلاقًا من هذا التصوُّر، تتعامل خياط مع الجوائز الفنية بواقعية وهدوء، معتبرة أن العديد منها يخضع للاعتبارات والمصالح ولا يعكس دائمًا حجم الاستحقاق الحقيقي. لكنها في المقابل لا ترى أن القيمة الحقيقية للفنان تُقاس بما يناله من تكريمات رسمية، بل بما يتركه من أثر إنساني وفني مستمر. في هذا الإطار، تعتبر أن الجائزة الأهم في مسيرتها تتمثل في اللقاءات مع شباب اختاروا دخول مجال الإخراج أو الفن تأثرًا بتجربتها ومسيرتها، وترى أن إلهام جيل جديد وترك بصمة في مساره هو التكريم الأصدق والأبقى، لأنه يتجاوز اللحظة الآنية ليصبح أثرًا ممتدًا في المستقبل.
نسألها عن الفرق في العمل الفني بين زمنَين: التسعينات واليوم، فتجيب خياط أن العمل الفني أصبح حاليًا أسهل تقنيًا بفضل التطوّر التكنولوجي، لكنه أصعب من ناحية الإبداع. في السابق، كان إنجاز ثوانٍ قليلة يتطلب أيامًا من العمل، أما اليوم فكثير من التفاصيل يمكن تنفيذها بسرعة. وتشرح أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي أو الأدوات الحديثة، بل في غياب الفكر والإحساس، معتبرةً أن التكنولوجيا يمكنها تنفيذ صورة جميلة، لكنها لا تستطيع خلق روح حقيقية تلامس الجمهور.
شغف لا يغيب
تختم خياط حديثها معنا بالتأكيد أن التمثيل والإخراج لم يكونا يومًا بالنسبة لها مجرّد مهنة، بل حالة شغف متجذرة تشكّل جزءًا من هويتها ومسارها الحياتي. وهذا الشغف لا يرتبط بزمن أو حضور أو غياب، بل يبقى حاضرًا ما دام هناك ما يمكن تقديمه وما يستحق أن يُقال. من هذا المنطلق، تؤمن المخرجة والممثلة ميرنا خياط أن الفنان الحقيقي لا يغيب فعليًا، لأن الشغف الصادق يظلّ حيًا ويجد طريقه دائمًا للعودة، مهما ابتعدت المسافات أو تبدلت الظروف.