بالتأكيد لم تكن ممارسة العمل الصحافيّ والإعلاميّ في لبنان، في أحسن حالاتها قبل ولادة وسائل التواصل ومنصّاتها، أي قبل أن يضاف إلى كلمة "الإعلام" نعت "الحديث". فلكلّ زمن صحافيّ وإعلاميّ، وجهان: مُشرق ومُظلم. وهكذا أيضًا زمننا، الذي يُحيي في 3 أيار من كلّ عام "اليوم العالمي لحريّة الصحافة".
يَرِد على الموقع الإلكتروني لمنظّمة "اليونسكو" أن "يوم الثالث من أيار هو بمثابة تذكير للحكومات بضرورة الوفاء بالتزاماتها تجاه حريّة الصحافة، وهو يتيح للمهنيّين العاملين في وسائل الإعلام فرصة التوقف على مسائل حريّة الصحافة والأخلاقيات المهنيّة".
إذا اخترنا التوقف عند جانب "الأخلاقيات المهنيّة" في ممارسة العمل الصحافيّ والإعلاميّ، تكفينا في الواقع جولة يوميّة سريعة على "إنتاجات" بعض الصحافة ووسائل الإعلام بفرعَيها "التقليديّ" و "الحديث" وعلى المواد والآراء التي ينشرها بعض العاملين في المجال أو الناشطين فيه، لأخذ فكرة كافية ووافية عن نمط "الأخلاقيات المهنيّة" المعتمدة حاليًا. وكلّ ما يُبث أو يُنشر يأتي بالطبع تحت عنوان "حريّة التعبير"، حيث يمكنك أن تجد التنمّر، والتهديد، وإهانة المعتقدات، والتنظير، وقمع الرأي المختلف، والسبّ والقذف والشتم، وسواها.
لكن إذا كان يمكن فهم أو قبول أن يكون بعض المواقع أو المنصّات أو الصفحات المحسوبة على الصحافة والإعلام وأهلهما، متفلّتًا من كلّ رقابة مهنيّة وأخلاقيّة وحتى قانونيّة، ومتاحًا لها التعبير ونشر موادها خارج أي وازع أو رادع أو مسؤوليّة، فإن أسوأ ما بلغته المهنة هو انضمام بعض "الإعلام التقليديّ" إلى فوضى ولا مسؤوليّة ما يقدّمه بعض نماذج "الإعلام الحديث"، من باب حصد نسب المشاهدات وتحقيق بعض الأرباح الماديّة والمعنويّة، على قاعدة "ما حدا أحسن من حدا". ناهيك بالتسابق على استضافة نماذج "فاقعة" من وجوه وجدت طريقًا إلى ستوديوات التلفزيونات والإذاعات، بعدما سبق و "فجّر" هؤلاء "مواهبهم" السياسية والاقتصادية والتحليلية والعلمية والعسكرية والاستراتيجية والطبية والدينية والإعلامية وحتى المطبخية وصولا إلى الفضائية و "ما فوق البنفسجية" ومن دون أن ننسى طبعًا "المواهب الشتائمية"، انطلاقًا من "بودكاستات" على حساباتهم الخاصة في مواقع التواصل، أو على منصّات وصفحات مجهولة - معلومة التمويل والأهداف.
ولعلّ أقرب مثال على كلّ ما سبق، ما شهده البلد ومواقع التواصل خلال اليومَين الماضيَين من "تعبير حرّ"، بفيديوات وصُوَر استُخدمت في "قصف متبادَل" بين "فصيلَين" في وطن واحد، أفرغا بمنتهى "الحريّة" ما في جعبتَيهما من مكنونات مكبوتة في السياسة والدِّين والمواطنة ومحفوظة لمثل تلك "الساعات" من التعبير والردّ والردّ المضاد.
هكذا تميّز إذًا "اليوم العالميّ لحريّة الصحافة" هذا العام، إنما من جهة أخرى من دون أن نغفل الإشارة إلى كون لبنان شهد تحسّنًا في ترتيبه ضمن "مؤشر حريّة الصحافة العالمي" (World Press Freedom Index) الذي يصدر كلّ عام عن منظمة "مراسلون بلا حدود" (JSF). فقد تقدّمت بيروت من المرتبة 140 في بداية عهد الرئيس جوزاف عون إلى المرتبة 132 خلال العام 2025، ثم إلى المرتبة 115 في 30 نيسان 2026.
وفي تحليل هذا المؤشر، وُجد أنه يُعبّر عن الجهود لدعم الحريّات الإعلاميّة وترسيخ مبادئ حرية الرأي والتعبير في البلاد. خصوصًا وأن لبنان تقدّم على بلدان أخرى محيطة عربية وآسيوية، رغم الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على الصحافيين، وعوامل أخرى مثل عدم صدور مشروع قانون الإعلام الجديد والنواحي القضائية، التي تحول دون مزيد من التقدُّم.
لكن هل تكفي هذه الأرقام لتكون مؤشرًا على "صحّة" قطاع الإعلام في بلد كان رائدًا و "أستاذًا ورئيس قسم" ضمن محيطه؟ أم أن إعادة الوسط الإعلاميّ إلى صوابه يتطلّب من المعنيّين في هذا القطاع "وقفة ضمير" تجاه البلد والمهنة والناس، والتضحية ببعض "المكتسبات" السريعة الصغيرة؟
