لم تكن عبارة "وحدة المسار والمصير" التي ربطت لبنان بسوريا في تسعينيات القرن الماضي مجرد شعار سياسي، بل كانت تعبيراً عن انحسار القرار اللبناني لمصلحة منظومة إقليمية قادها آنذاك حافظ الأسد ثم بشار الأسد. يومها، كان مصير لبنان يُرسم خارج حدوده.
اليوم، يعود السؤال بصيغة أكثر تعقيداً وحساسية: هل يحاول "حزب الله" إعادة إنتاج هذه المعادلة، ليصبح لبنان ملحقاً بالمسار الإيراني، وتحديداً ورقة مقايضة في مفاوضات طهران مع الولايات المتحدة؟
في زمن الاحتلال السوري، كان النفوذ مباشراً ومعلناً، أما اليوم فالصيغة أكثر تعقيداً؛ إذ يحاول "حزب الله" بكل الوسائل "فرملة" تحرك رئيس الجمهورية جوزيف عون لبدء مفاوضات ثنائية مع إسرائيل برعاية وضمانة أميركية لوقف الحرب. ويهدف هذا التعطيل إلى ربط لبنان بالاستراتيجية الإقليمية الإيرانية وإبقائه ورقة بيد طهران خلال مفاوضاتها مع واشنطن.
تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمهم محمد باقر قاليباف، التي تؤكد أن الحزب "يدافع عن إيران"، تكشف بوضوح أن لبنان لم يعد يُنظر إليه في طهران كدولة مستقلة، بل كساحة متقدمة للجمهورية الإسلامية. وهذا التحول يفسر الأسباب الجوهرية العميقة التي يحاول "حزب الله" تغطيتها ضمن حملته لمنع المفاوضات المباشرة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل.
في موازاة ذلك، يبرز تناقض لافت في مقاربة ملف التفاوض؛ فبينما تتمسك الدولة اللبنانية بمبدأ التفاوض لوقف الحرب والدمار واستعادة الأراضي المحتلة، يرفض "حزب الله" هذا الخيار، مفضّلاً إدراج الملف اللبناني ضمن "سلة" التفاوض الإيراني–الأميركي.
هذا الموقف يطرح إشكالية سيادية عميقة: لماذا يُرفض أن يكون لبنان طرفاً مباشراً في تفاوض يخصه، فيما يُقبل أن يكون "موضوعاً" للنقاش ضمن مفاوضات دول أخرى؟ وأي معنى يبقى للسيادة إذا تحوّل البلد إلى ورقة تُستخدم على طاولات الخارج؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ربط المسارات، بل في ما يتبعه من تحولات ترهن مستقبل البلاد. فكلما تعمّق الارتباط بمحاور إقليمية، تراجعت القدرة على إدارة الشؤون الداخلية بشكل مستقل، وازداد الانكشاف أمام تحول لبنان إلى مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين؛ مما يزيد من حدة الانقسامات السياسية، ويجعل الشوارع عرضة لتوترات أمنية قابلة للاشتعال، فضلاً عن تعطيل ما تبقى من مؤسسات الدولة كلما تعارضت مع مصالح خارجية.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة تحوّل فيها لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات، من زمن الاحتلال السورية إلى مرحلة العمل المسلح للفصائل الفلسطينية.
ما يجري اليوم يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي، ليصل إلى صلب تعريف الدولة اللبنانية ودورها. فالصراع الحقيقي ليس بين قوى سياسية فحسب، بل بين مشروعين: مشروع دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها وفصل مسارها عن صراعات المنطقة، ومشروع يربط لبنان بإيران ويجعل قراره ورقة في يدها. وفي هذا السياق، يصبح كل استحقاق سياسي أو تفاوضي اختباراً حقيقياً لميزان القوى بين هذين الخيارين.
لقد كانت التجربة اللبنانية مع "وحدة المسار والمصير" محطة دفع فيها اللبنانيون أثماناً باهظة للخروج منها، واليوم يبدو أن البلاد تقف مجدداً أمام مفترق مشابه، وإن بأدوات مختلفة وعناوين جديدة.
لم يعد السؤال ما إذا كان "حزب الله" يسعى لربط لبنان بالمسار الإيراني، بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على كسر هذا الارتباط واستعادة قرارها المستقل. فإما أن ينجح لبنان في تثبيت نفسه كدولة ذات سيادة كاملة، أو يتحول تدريجياً إلى "حلبة" مفتوحة لصراع الآخرين على أرضه.