لم يكن الإنسان في "عصور ما قبل التاريخ" يعيش داخل الكهوف كما يُعتقد، بل ظهرت هذه الفكرة عندما بدأ علماء الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر دراسة تلك "العصور"، وكانت حينها المعلومات العلميّة قليلة جدًّا فاختلط العِلم بالخيال، كما تأثرت بطريقة التفكير في كل عصر.
ففي معرض بـ "كوليج دو فرانس" في باريس، يشرح عالِم "ما قبل التاريخ" جان - جاك هوبلين كيف تغيّرت صُوَر الإنسان القديم عبر الزمن، وكيف انعكست على العِلم وعلى نظرة الناس معًا، مؤكَِدًا أن "رجل الكهف" صورة غير دقيقة لأن الكهوف كانت غالبًا أماكن لحفظ الأدوات لا للسَّكن.
وقبل ظهور هذا العِلم، كان التفسير الديني هو السائد مع فكرة أن الإنسان ظهر بشكل مفاجئ. لاحقًا طرح العالِم الفرنسي جورج كوفييه الذي عاش في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، نظرية الكوارث، ومنها الطوفان، لتفسير انقراض الأنواع، ما صعّب فكرة وجود إنسان قبل ذلك. أما سنة 1840 فربطَ الباحث الفرنسي جاك بوشيه دو بيرث بين أدوات حجريّة وعظام حيوانات منقرضة، لتظهر فكرة "إنسان ما قبل التاريخ"، ثم جاء عام 1859 لِيُعدَّ بداية هذا العلم رسميًا.
بعد ذلك، كثرت أعمال التنقيب في ما سُمّي "سباق العظم"، حيث كُشف الكثير من الأدلة لكن جرى أيضًا تدمير مواقع أثرية، وأصبح "ما قبل التاريخ" موضوعًا يتأرجح بين العِلم والخيال. ثم في القرن العشرين، غيّرت اكتشافات مثل "لوسي" عام 1974 الفهم العلمي، إذ أثبتت أنّ المشي على قدمَيْن أقدم بكثير مما كان يُعتقد. و "لوسي" هي هيكل عظمي قديم من أسلاف الإنسان، اكتُشف عام 1974 في إثيوبيا ويعود إلى نحو 3.2 ملايين سنة، وتكمن أهميتها في أنها أظهرت أن المشي على قدمَيْن بدأ قبل ظهور الإنسان الحديث بكثير. أما إنسان "Neanderthal"، فبقي مثار جدل بين كونه قريبًا من الإنسان الحديث أو مختلفًا عنه، وتنوّعت صورته بين إنسان شبه حديث وكائن بدائي. بذلك يخلص هوبلين إلى أن كل عصر أعاد تشكيل صورة ما قبل التاريخ وفق معرفته وخياله. (أ.ف.ب.)