جوزيف حبيب

صدام النموذجَين

3 دقائق للقراءة

ليس غريبًا حقًا أن يتعمّد نظام الجمهورية الإسلامية في إيران استهداف الإمارات العربية المتحدة. لماذا؟ بكلّ بساطة لأن أبوظبي ودبي تقدّمان نموذجًا مختلفًا جذريًّا عمّا تقدّمه طهران وقم. تُعتبر الإمارات قدوة دولية في مجالات رئيسية، من ريادة الأعمال والابتكار إلى الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بينما تصدّرت إيران بقيادة الملالي الدول الراعية للإرهاب في المعمورة. شيّدت الإمارات بنية تحتية متطوّرة ومتفوّقة على مستويات متعدّدة، ووفرت بيئة استثمارية مستقرّة وسياسات حكومية مرنة، ما جعل منها عاصمة لروّاد الأعمال في العالم، في حين انتهجت إيران استراتيجية مغايرة كلّيًا ارتكزت على تصدير ثورتها الإسلامية إلى الخارج، والتهديد بقدرتها ومحورها على محو إسرائيل من الوجود بدقائق معدودة.

بدأت رياح التغيير تعصف بالمنطقة مع "طوفان الأقصى" الذي أعطى تل أبيب الحجّة المثالية لجرف مدبّريه وحلفائهم واحدًا تلو الآخر، حتى وصلت الأمواج الهائجة إلى قلب طهران. استطاعت الإمارات ومعها بقية دول الخليج العربية تحييد نفسها عن النيران التي التهمت الإقليم، بيد أن الحرب التي اشتعلت فجر 28 شباط كانت أكبر من أن تُحصر جغرافيًّا داخل إيران. دخلت الجمهورية الإسلامية التي عاثت في إيران والمنطقة فسادًا وخرابًا في عين الإعصار من جديد، بعدما وَهُن وكلاؤها وعُرّيت أمنيًّا وعسكريًّا أمام أعدائها. لم تتردّد طهران لحظة بإشعال الخليج برمّته حينما استفاقت على حفلة قطع رؤوس بدءًا بمرشدها الأعلى. رفع الملالي وحرسهم الثوري راية الثأر الحمراء وفجّروا ضغائنهم المكبوتة في اتجاه الضفة المقابلة من الخليج، وكانت حصّة الأسد للإمارات.

تمثل الإمارات عكس كلّ ما هي عليه إيران ما بعد 1979. إنها مواجهة محمومة وصراع مفتوح بين رؤيتين متناقضتين... بين العقلانية والأيديولوجيا، وبين الأرقام والخرافات. قادت أبوظبي جهودًا حثيثة لمحاربة التطرّف والإرهاب الإسلاميّيْن، في وقت أنشأت فيه طهران واحتضنت ورعت وموّلت تنظيمات إسلامية إرهابية متنوّعة. شكّلت الإمارات واحة آمنة ومستقرّة جذبت الملايين من أقاصي الأرض للعمل والمساهمة في صناعة مستقبل أفضل. هذه الصورة لا تناسب قاتلي الفتيات والنساء السافرات ومغتصبيهنَّ، ولا تتماثل مع مزهقي أرواح الشباب الثائر لحرّيتهم وكرامتهم ولقمة عيشهم. لسان حال آيات الله يقول: كيف تضربنا أميركا وإسرائيل في عقر دارنا ولا نحرق أخضر محيطنا ويابسه، ونأخذ الاقتصاد العالمي رهينة بيدنا؟ رفعت إيران شعار "عليّ وعلى أعدائي" وأفاضت كراهيتها وأحقادها تجاه جيرانها بعدما امتهنت التقية لعقود خلت.

اهتزت الهدنة مع زيادة واشنطن ضغطها على طهران، فتعرّضت الإمارات مجدّدًا لعدوان إيراني خبيث. يريد المتزمّتون في طهران بعث رسائل عدّة بإطلاق صواريخهم ومسيّراتهم نحو الإمارات. هم يستهدفون نموذجًا فريدًا ومزدهرًا في المنطقة يجسّد نقيضًا طبيعيًّا لنظام إسلامي فاشل. هم يسعون إلى جعل حلفاء أميركا يدفعون أثمان خياراتهم السيادية الاستراتيجية المتضاربة مع مشاريع الملالي التوسّعية والانتحارية. كما يبتغون ضرب خيار السلام في الشرق الأوسط ويتقصّدون الإمعان في أذية من أقام علاقات مع إسرائيل. سقطت الجمهورية الإسلامية في التجربة وكشفت وجهها القبيح. الإمارات تعي جيّدًا من هم أعداؤها ومن هم حلفاؤها. تختبر أبوظبي هذا الامتحان المفصلي، وتعيد ترتيب أولوياتها وصياغة خططها، وتتجهّز للتعامل مع التحدّيات مهما كبرت، فيما تواجه إيران غضبًا شعبيًّا هائلًا قد يوقد مرّة أخرى شرارة الثورة.