حظي الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستقبال حافل لدى وصوله إلى بكين أمس، حيث بدأ زيارة تاريخية يلتقي خلالها نظيره الصيني شي جينبينغ اليوم لبحث ملفات شائكة عدة، أبرزها التجارة وتايوان وحرب إيران، فيما عيون العالم شاخصة نحو الحدث المفصلي، وتترقب نتائج القمة وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية المحتملة. وكان في استقبال ترامب لدى وصوله إلى مطار بكين الدولي نائب الرئيس الصيني هان تشنغ ومسؤولون آخرون، إلى جانب تشكيل منظم بدقة من حرس الشرف العسكري وعشرات الطلاب الصينيين الذين لوّحوا بالأعلام الأميركية والصينية لدى نزوله من طائرة الرئاسة الأميركية وسيره على سجادة حمراء.
ومن المقرر أن يعقد ترامب وشي محادثات ثنائية اليوم، كما سيزوران "معبد السماء"، حيث كان الأباطرة الصينيون يصلّون من أجل مواسم حصاد وفيرة، على أن يشاركا لاحقًا في مأدبة رسمية. ويوم الجمعة، من المقرر أن يتناولا الشاي ويعقدا غداء عمل قبل أن يعود ترامب إلى بلاده. وكانت الأجواء الأمنية التي سبقت القمة واضحة بالفعل في شوارع بكين أمس، حيث شوهدت الشرطة تراقب التقاطعات الرئيسية وتدقق في بطاقات هوية الركاب في قطار الأنفاق. واعتبرت ون ون، وهي شابة تبلغ 24 عامًا كانت مسافرة من مدينة نانجينغ الشرقية، في حديث إلى وكالة "فرانس برس" عن زيارة ترامب، أنها "بالتأكيد حدث كبير"، متوقعة أنه "سيتم إحراز بعض التقدّم بالتأكيد". وأملت أن يتمكّن البلدان من ضمان "سلام دائم" رغم "البلبلة الأخيرة في الوضع العالمي".
وبينما يرافق ترامب وفد من قادة الأعمال، بينهم جنسن هوانغ من "إنفيديا"، وإيلون ماسك من "سبيس إكس" و"تسلا"، وتيم كوك من "آبل"، أوضح الرئيس الأميركي أنه يعتزم الضغط على شي لفتح الصين أمام مزيد من الأعمال الأميركية. واستبقت الصين وصول ترامب بإعلان "الترحيب" به، مؤكدة استعدادها "للعمل مع أميركا... من أجل توسيع التعاون والتعامل مع الخلافات". ويسعى ترامب إلى تحقيق مكسب من خلال توقيع اتفاقات مع الصين لشراء مزيد من فول الصويا ولحوم البقر والطائرات الأميركية، مؤكدًا أنه سيتحدّث مع شي عن التجارة "أكثر من أي شيء آخر". ومن المتوقع أن يبحث الزعيمان إمكانية تمديد الهدنة في الحرب التجارية التي جرى التوصل إليها في تشرين الأول الماضي، والتي تمتد لعام واحد. كما يأمل ترامب في إبرام صفقات تتعلّق بالذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية ومادة الفنتانيل المستخدمة في تصنيع المخدّرات.
في السياق، عقد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ محادثات استمرّت ثلاث ساعات في كوريا الجنوبية أمس، تمهيدًا لقمة ترامب وشي. وذكرت وكالة "شينخوا" الصينية الرسمية أن الرجلين عقدا "محادثات صريحة ومتعمقة وبناءة" في كوريا الجنوبية في شأن حل القضايا التجارية والاقتصادية وتوسيع نطاق التعاون. وكشفت الرئاسة الكورية الجنوبية أن الرجلين التقيا الرئيس لي جيه ميونغ في البيت الأزرق الرئاسي، حيث شدّد الرئيس على أن تطوير علاقات مستقرّة بين أميركا والصين يصبّ في مصلحة كوريا الجنوبية والعالم.
توازيًا، أكد ترامب أنه سيجري "محادثات مطوّلة" مع شي في شأن إيران التي تبيع القسم الأكبر من نفطها للصين رغم العقوبات الأميركية، لكنه شدد على "عدم الحاجة إلى أي مساعدة بالنسبة إلى إيران" من الصين، موضحًا أن الصين لم تطرح "مشكلات" إزاء الحصار الذي تفرضه واشنطن على الموانئ الإيرانية. وبدأت بكين تبدي نفاد صبرها تجاه الحرب في الشرق الأوسط، إذ دعا وزير خارجيتها وانغ يي باكستان، التي تؤدّي دور الوساطة بين واشنطن وطهران، إلى "تكثيف" جهودها من أجل التوصل إلى إعادة فتح مضيق هرمز، في وقت توجّه فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى نيودلهي أمس لحضور اجتماع لوزراء خارجية مجموعة "بريكس" من المقرّر عقده اليوم وغدًا. وينتظر الخبراء مدى انعكاس قمة ترامب وشي على الوضع في الشرق الأوسط وحركة الملاحة في هرمز.
وسيكون وضع تايوان أيضًا موضوعًا رئيسيًا خلال قمة ترامب وشي، إذ إن الصين مستاءة من خطط أميركية لبيع أسلحة إلى الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي، والتي تزعم الحكومة الصينية بأنها جزء من أراضيها. وأكد ترامب الإثنين أنه سيناقش مع شي حزمة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، كانت الإدارة الأميركية قد أجازتها في كانون الأوّل، لكنها لم تبدأ تنفيذها بعد. وتُعدّ حزمة الأسلحة هذه الأكبر التي تجري الموافقة عليها على الإطلاق لتايوان. ونشرت صحيفة "الشعب" اليومية، المنبر الإعلامي للحزب الشيوعي الصيني، افتتاحية شديدة اللهجة قبيل وصول ترامب، شدّدت فيها على أن تايوان هي "الخط الأحمر الأوّل الذي لا يمكن تجاوزه في العلاقات الصينية - الأميركية"، معتبرة أن القضية "أكبر نقطة خطر" بين البلدين.
وفي الوقت الذي تستمرّ فيه الصين في دعم حليفتها روسيا في غزوها لأوكرانيا، شنت موسكو "أحد أطول الهجمات الروسية الواسعة" ضدّ مناطق أوكرانية عدة بواسطة 800 مسيّرة على الأقل، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات، بينهم أطفال. ورأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه "بالتأكيد لا يمكن اعتبارها مصادفة أن يقع أحد أطول الهجمات الروسية الواسعة ضدّ أوكرانيا تحديدًا في الوقت الذي وصل فيه رئيس أميركا في زيارة إلى الصين"، داعيًا ترامب إلى مناقشة إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا مع شي.