لم تعد مسألة حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي شأنًا لغويًا بحتًا، بل تحوّلت إلى قضية ترتبط بموقعها داخل منظومات إنتاج المعرفة الحديثة، حيث يفرض الذكاء الاصطناعي قواعده بوصفه وسيطًا أساسيًا بين الإنسان والمعلومة. وبينما تتقدّم لغات عدّة بخطى متسارعة داخل هذا التحوّل، تبدو العربية في موقع ملتبس لا يعكس قدراتها البنيوية بقدر ما يكشف عن خلل في تمثيلها الرقمي وفي أنماط استخدامها اليومية. من هذا المنطلق، قدّمت الكاتبة والأستاذة الجامعية الدكتورة جويل فضول قراءة تحليلية تتجاوز ظاهر المشكلة، لتفكّك العلاقة المعقدة بين اللغة والتكنولوجيا، وتطرح أسئلة جوهرية حول دورنا في صياغة مستقبل العربية، لا باعتبارها إرثًا ثقافيًا فحسب، بل كأداة فاعلة في عالم تحكمه الخوارزميات.
"الإشكالية التي تواجه اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمكن اختزالها في ضعف الاستخدام، بل تتصل بخلل أعمق في طبيعة تمثيلها داخل الفضاء الرقمي"، بحسب الدكتورة جويل فضول، التي توضح أنّ "المحتوى المتداول لا يعكس البُنية المعيارية للغة، بل يُعيد تشكيلها وفق أنماط هجينة تُفقدها تماسكها الداخلي"، مشيرةً إلى أنّ "الانتقال الكثيف نحو الكتابة بـ"العربيزي" لم يكن مجرّد خيار عملي، بل تحوَّل إلى بديل وظيفي للفصحى، ما أدّى إلى تآكل حضورها في البيئات التي يُفترض أن تكون حاضنتها الطبيعية".
تضيف فضول أنّ "هذا التحوّل لا ينعكس فقط على الشكل الكتابي، بل يمتد إلى مستوى التفكير اللغوي ذاته"، معتبرةً أنّ "إقصاء الفصحى من التداول اليومي يُنتج أجيالا تتعامل معها بوصفها لغة خارج الاستعمال، لا أداة تعبير حيّة. والذكاء الاصطناعي، بوصفه مرآة للبيانات التي يُدرَّب عليها، يعيد إنتاج هذا الخلل، إذ يتعامل مع العربية كما تُستخدم لا كما ينبغي أن تكون".
وتلفت فضول إلى أنّ "المعضلة التقنية تكمن في أنّ النماذج اللغوية الحديثة لم تُبنَ انطلاقًا من خصوصية العربية، بل جرى تكييفها لاحقًا للتعامل معها، وهذا النهج يجعل الفهم الآلي للغة قائمًا على إسقاطات خارجية، لا على استيعاب بُنيتها الأصلية"، مؤكدةً أنّ "العربية ليست مجرّد نظام مفردات، بل منظومة اشتقاقية ودلالية تتطلب نماذج تفكير مختلفة، وهو ما لم يتحقق بعد بشكل كاف".
غياب الحس التركيبي
أثر هذا القصور، بحسب فضول، يظهر بوضوح "في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص تبدو سليمة شكليًّا، لكنها تفتقر إلى الإيقاع الداخلي للغة. والخلل لا يُقاس بالأخطاء النحوية فقط، بل بغياب الحسّ التركيبي الذي يميّز العربية عن غيرها، وهذا النوع من النصوص يُربك القارئ المتخصص، لأنه يلمس فيها انقطاعًا خفيًا بين المعنى والصياغة".
وفي سياق متصل، تقول: "الاختبار الحقيقي لكفاءة الذكاء الاصطناعي في العربية لا يكمن في النصوص المباشرة، بل في قدرته على التعامل مع المستويات البلاغية والأدبية. والعجز عن تفكيك البنية الشعرية أو إدراك العلاقات الإيقاعية يعكس محدودية الفهم، لا مجرد نقص في التدريب. كما أنّ اللغة العربية، بما تحمله من طبقات دلالية، لا تستجيب بسهولة لنماذج مبنية على التكرار الإحصائي فقط".
تنتقل فضول إلى البُعد المؤسسي، فتقول إنّ "غياب سياسات لغوية رقمية واضحة في العالم العربي يفاقم هذه الإشكالية. والجهود الحالية، وإن وُجدت، تظلّ متفرقة وغير قادرة على إحداث أثر تراكمي"، مضيفةً أنّ "الاستثمار في المحتوى العربي لا يزال يُنظر إليه بوصفه ترفًا ثقافيًا، لا ضرورة استراتيجية".
وتشير إلى أنّ "الجامعات، رغم امتلاكها مخزونًا معرفيًا كبيرًا، لم تُدمج بعد بشكل منهجي في عملية إنتاج بيانات لغوية قابلة للاستخدام التقني"، معتبرةً أنّ "الفصل بين البحث الأكاديمي والتطبيق التكنولوجي حرم العربية من مورد أساسي كان يمكن أن يغيّر موقعها في هذا المجال. كذلك، فإنّ تحويل المعرفة الأكاديمية إلى بيانات مُهيكلة ينبغي أن يكون أولوية، لا مشروعًا جانبيًا".
كما تلفت إلى أنّ "المستخدم العربي نفسه يلعب دورًا غير مباشر في تعميق الفجوة. وطريقة التفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث اللغة المستخدمة أو مستوى الدقة، تُسهم في توجيه مخرجاتها. فالأنظمة لا تعمل في فراغ، بل تتشكل تدريجيًا وفق أنماط الاستخدام، ما يعني أنّ أي تحسين فعلي يبدأ من سلوك المستخدم".
مقاربة متعددة المستويات
وفي قراءتها للمشهد الثقافي، تقول الدكتورة جويل فضول إنّ "اللغة العربية لم تُهمَّش بفعل التكنولوجيا، بل بفعل طريقة تعاملنا معها داخل هذا التحوّل. التكنولوجيا كشفت الهشاشة ولم تُنشئها، والرهان الحقيقي لا يكمن في مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل في إعادة إدماج العربية داخله بوصفها لغة معرفة، لا مجرد وسيلة تواصل". وتتابع أنّ "إعادة التوازن تتطلب مقاربة متعددة المستويات، تبدأ من التعليم ولا تنتهي عند الصناعة، وأي محاولة للمعالجة التقنية من دون إصلاح في البنية التعليمية ستبقى محدودة الأثر. كما أنّ تعليم العربية بوصفها نظامًا حيًا، لا مادة جامدة، يشكّل المدخل الأساسي لأي تحوّل رقمي حقيقي".
لكن إلى أين يأخذ المسار الحالي لغتنا العربية؟ تجيب فضول: "المسار الحالي لا يقود بالضرورة إلى فقدان اللغة، لكنه قد يقود إلى إعادة تشكيلها بشكل يفصلها عن جذورها"، محذّرةً من أنّ "هذا النوع من التحوّل الصامت أخطر من التراجع الظاهر، لأنه يحدث تدريجيًا ومن دون مقاومة، والوقت لا يزال متاحًا لتدارك المسار، لكن ذلك يتطلب انتقالا من رد الفعل إلى الفعل، ومن التوصيف إلى البناء".
تتجاوز، إذًا، إشكالية اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي حدود التقنية لتلامس جوهر علاقتنا بلغتنا، بين ما نعلنه من اعتزاز بها وما نمارسه فعليًا في الفضاء الرقمي. المسألة لم تعد مرتبطة بقدرة العربية على مواكبة التطوّر، بل بمدى استعدادنا لإدماجها في هذا التحوّل بوصفها لغة معرفة وإنتاج، لا مجرد وعاء تراثي. وبين غياب السياسات الواضحة، وتشتت المبادرات، واستمرار أنماط استخدام تُضعف حضورها المعياري، يبدو أن التحدّي الحقيقي يكمن في الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في تشكيل هذا المشهد اللغوي الجديد. وعند هذه النقطة تحديدًا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نملك الإرادة الجماعية لإعادة تموضع اللغة العربية داخل منظومة الذكاء الاصطناعي، أم سنكتفي بمراقبة تحوّلها التدريجي إلى لغة على هامش العصر؟