جانين البطي

الاغتيال عن بُعد: قرار الحياة والموت في كبسة زر

3 دقائق للقراءة

تعد الاغتيالات في الحروب الحديثة مختلفة عما كانت عليه في السابق، حيث كان يتطلب التنفيذ مواجهة مباشرة أو تخطيطًا ميدانيًا معقدًا. اليوم، أصبحت العملية تُدار من خلف الشاشات، عبر طائرات مسيّرة تحلّق في السماء وتراقب كل تفصيل على الأرض. هذا التحوّل لا يعكس فقط تطورًا تقنيًا، بل يطرح أيضًا أسئلة عميقة حول طبيعة القرار وحدوده.

تبدأ العملية عادة بمعلومة استخباراتية حول شخص معيّن يُعتبر هدفًا. بعد ذلك، تدخل الطائرات المسيّرة مثل Hermes 900 وHeron TP، التي تقوم بمراقبة الهدف لفترات طويلة. هذه الطائرات لا تهاجم مباشرة، بل تتابع تحركات الشخص بدقة، ترصد يومياته، وتبني صورة كاملة عن سلوكه.

في هذه المرحلة، يتم استخدام تقنيات مثل Facial Recognition للتأكد من هوية الشخص، عبر مقارنة صوره ببيانات موجودة مسبقًا. ورغم أن هذه التكنولوجيا متقدمة جدًا، إلا أنها لا تعطي ضمانًا مطلقًا، بل تعتمد على احتمالات قد تكون مرتفعة، لكنها ليست كاملة.

بعد التأكد النسبي من الهوية، تبدأ مرحلة التتبع الطويل. قد تستمر المراقبة أيامًا أو أسابيع، إلى أن يتم اختيار اللحظة التي يُعتقد أنها الأنسب لتنفيذ الضربة، وغالبًا ما تكون عندما يكون الهدف بعيدًا عن المدنيين. وعندما تُتخذ هذه اللحظة، يتم تنفيذ الضربة خلال ثوانٍ، بصاروخ دقيق يُطلق من الطائرة المسيّرة، بينما المنفّذ الفعلي قد يكون على بُعد مئات أو آلاف الكيلومترات.

هذا هو التفسير التقني للعملية، لكنه لا يكفي لفهم خطورتها. فالمشكلة لا تكمن فقط في كيفية التنفيذ، بل في طبيعة القرار نفسه. عندما تُختصر حياة إنسان في صورة تُحلَّل عبر خوارزمية، يصبح الخطأ احتمالًا قائمًا مهما بلغت دقة التكنولوجيا. الفرق هنا أن الخطأ لم يعد نتيجة فوضى ميدانية، بل نتيجة ثقة كبيرة في نظام تقني.

من جهة أخرى، هذا النوع من العمليات يجعل قرار القتل أسهل نفسيًا. في الماضي، كان المنفّذ يواجه الهدف بشكل مباشر، ما يفرض لحظة تردد أو مراجعة. أما اليوم، فالمسافة الكبيرة بين الطرفين تُلغي هذا العامل، وتحوّل القرار إلى إجراء سريع يتم بضغطة زر، من دون احتكاك مباشر مع الواقع الإنساني للهدف.

ورغم أن هذه العمليات تُقدَّم على أنها أكثر دقة وأقل ضررًا، إلا أن ذلك لا يلغي مخاطرها. وجود مدنيين في المكان، أو خطأ في تحديد الهوية، قد يؤدي إلى نتائج كارثية. والأخطر أن انتشار هذه التكنولوجيا يعني أن هذا النمط من العمليات لن يبقى محصورًا بجهة واحدة، بل قد يتحول إلى أسلوب شائع في الحروب.

في المحصلة، نحن أمام تحوّل حقيقي في طبيعة الصراعات. التكنولوجيا جعلت الاغتيال أكثر تنظيمًا ودقة، لكنها في المقابل جعلته أكثر برودة وأقل ارتباطًا بالمسؤولية المباشرة. وهنا يبرز السؤال الأساسي الذي لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام تقدم عسكري، أم أمام تراجع في البعد الإنساني للقرار؟