الدكتور سايد حرقص

فرد حاويلا... و100 ألف مقاتل

3 دقائق للقراءة

بعد أحداث الطيونة عام 2021، خرج الأمين العام السابق لـحزب الله، حسن نصرالله، بخطابٍ مدوٍّ أعلن فيه: «سجّلوا مئة ألف مقاتل». يومها، لم يكن الرقم تفصيلاً عابراً في خطاب سياسي أو دعائياً إعلامياً عادياً، بل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج معاً، مفادها أنّ الحزب يمتلك قوة عسكرية ضخمة قادرة على قلب موازين القوى وفرض معادلات جديدة في لبنان والمنطقة. وقد تلقّى كثيرون هذا الرقم بوصفه إعلاناً عن جيش كامل، منظّم ومدرّب ومجهّز لخوض الحروب الكبرى.

لكن مع اشتداد المواجهة في الجنوب اليوم، وتمدّد العمليات العسكرية الإسرائيلية وصولاً إلى الليطاني، بدأ السؤال يفرض نفسه بقوة على الرأي العام اللبناني: أين هم «المئة ألف مقاتل»؟

فالوقائع الميدانية التي تابعها اللبنانيون بدت مختلفة تماماً عن صورة «الجيش الضخم» التي رُسمت في الخطاب السياسي. إذ إنّ المواجهات الفعلية أظهرت أنّ من تصدّى على الأرض هم في الغالب مجموعات محدودة من أبناء القرى الجنوبية، لا يتجاوز عددها اربعة آلاف مقاتل في أحسن التقديرات، مدعومين بعناصر فلسطينية وإيرانية وعراقية وسورية ويمنية بأعداد محدودة أيضاً. أما ذلك الرقم الهائل الذي أُعلن قبل سنوات، فلم يظهر له أثر واضح في الميدان، رغم حجم الدمار الهائل الذي أصاب القرى الجنوبية وسقوط مدن رمزية كالخيام وبنت جبيل في قبضة المحتل بالاضافة الى حجم التوغّل الإسرائيلي الذي وصل إلى الليطاني في عدة نقاط.

ومن هنا، عاد اللبنانيون إلى طرح الأسئلة القديمة نفسها: هل كان رقم «المئة ألف مقاتل» جزءاً من الحرب النفسية فقط؟ هل كان رسالة ردع أكثر منه توصيفاً حقيقياً لقدرات عسكرية موجودة فعلاً؟ أم أنّ هذا «الجيش الكبير» مؤجّل دائماً إلى لحظة غامضة لم تأتِ بعد؟

المفارقة أنّ هذا المشهد أعاد إلى ذاكرة اللبنانيين حكاية «فرد حويلا» الشهيرة؛ ذلك الشخص الذي كان يتباهى بامتلاكه مسدساً ويتمرجل به على المزارعين المسالمين وعندما أقدم أحد الوافدين على القرية الى إهانة وضرب "حاويلا" هرب و لم يتجرأ على إستعمال سلاحه حتى للدفاع عن نفسه وعندما سؤل لاحقا عن المسدس الشهير ولماذا لم يستعمله أجاب بأنه يحتفظ به «للحزات»،. وهكذا تحوّل «الفرد» إلى مادة للسخرية الشعبية، لأنّ قيمته بقيت محصورة بالكلام لا بالفعل.

اليوم، يبدو أنّ كثيرين ينظرون إلى شعار «المئة ألف مقاتل» بالطريقة نفسها الذي رأى القرويون "فرد حاويلا".

وبين الخطاب والواقع، يبقى اللبنانيون وحدهم يدفعون الثمن؛ قرى مدمّرة، ونزوح، وخسائر بشرية، ودولة عاجزة عن الإمساك بقرار الحرب والسلم.

وفي ظل هذا المشهد، لا يعود السؤال الحقيقي عن عدد المقاتلين، بل عن جدوى الخطابات التي ترفع سقف التوقعات لدى الناس، فيما الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة تماماً.